تبكي على طلل الماضين من أسد ... ثكلت أمك قل لي من بنو أسد
ومن تميم ومن قيس ومن يمن ... ليس الأعاريب عند الله من أحد
ولكن ابن المعتز كان ناقدا يبحث عن الصلة بين الأدب والحياة ويحاول أن يلائم بينهما وينادي بتحضّر الشعر وترك الغرابة فيه وتمثيله لحياة الشاعر وآرائه في الحياة وقد ثأر ابن رشيق على منهج الجاهليين في القصيدة ورأى مع من رأوا أنه لا معنى لذكر لحضري الديار، وأنه ليس بالمحدث من الحاجة إلى وصف الإبل والقفار لرغبة الناس في عصره عن تلك الصفات وعلمهم بأن الشاعر إنما يتكلّفها، وأن الأولى وصف الخمر والقيان وقد تكفت الحياة نفسها بصرف الشعراء المعاصرين عن هذا النهج الفني في القصيدة، فليس منهم والحمد لله من يبدأ قصيدته بذكر الإبل والقفار والديار والآثار، بل إن ذلك لو فعله أحد الآن لرمي بالجنون ولكن ليس معنى ذلك ألّا يصف الشاعر المعاصر معاهد أهله وأحبابه في شعره أبدا، أو ألّا يبدأ قصيدة من قصائده بذكرها، ولكنّا نقول إن المعيب هو التزام بدء القصيدة بوصف الأطلال القديمة، وإذا التزم شاعر معاصر بدء قصائده بذكرى معاهد حياته وأحبابه ولم يتخلّ عن هذا المنهج، لم نحاسبه على ذلك، إلا إذا قيّد هذا من حريته الفنية أو حبس مواهبه وملكاته الأدبية، فإنه يحبّ بحق ألّا يقيّد الشاعر نفسه بأيّ قيد لا تلزمه به نفسه ومواهبه وملكاته الفنية وحيدها، وإلا كان مقلّدا لا نصيب له من الشعور بالحياة والإحساس بها والتمتّع النفسي العميق بمشاهدها وصورها وألوانها.
وهناك في الشعر الجاهلي ظاهرة أخرى نشأت عن الطابع البدوي الموروث وهي كثرة الغريب والوحشي ولا شك أن ذلك مذهب العرب القدامى وحدهم، لأثر البيئة البدوية الجافّة الخشنة في عقولهم ونفوسهم. وما أروع ما يقول صفيّ الدين الحلي المتوفّى عام 750: [الخفيف]
إنما الحيزبون والدردبيس ... والطخا والنقاخ والعلطبيس
لغة تنفر المسامح منها ... حين تروى وتشمئز النفوس
وقبيح أن يذكر النافر الوح ... شي منها ويترك المأنوس
أين قولي: هذا كئيب قديم ... ومقالي: عقنقل قدموس
إنما هذه القلوب حديد ... ولذيذ الألفاظ مغناطيس
وليس هناك أحد يدعو إلى استعمال هذه الألفاظ، أو يرتاح قلبه حين سماعها، فهي ألفاظ تاريخية يجب أن نفهمها فحسب.
بقيت بعد ذلك صور البيان ال. دبي نفسه. أنصوغ أسلوبنا على الصور القديمة التي يمثّلها الشعر الجاهلي، أم نستمدّ صوره من ألوان حياتنا وبيئتنا وثقافتنا وحدها.