وهذا نقد غريب فليس كل الشعر الجاهلي مضطرب الفكرة مفكّك المعاني، وليس ما فيه من تناثر الأغراض الشعرية اضطرابا في الفكرة وتفكّكا للمعاني، إنما هي مظاهر الصحراء وألوان الحياة والشعور، وصفها الشاعر الجاهلي وصوّرها في قصائده.
ثم فيم الفرق إذا بين الأسلوب الفني والأسلوب العلمي، وحقائق المنطق؟ إن الشعر فنّ قبل أن يكون فلسفة، وقديما حاول كثيرون إخضاع الشعر للمنطق والفلسفة فأبى الشعر، وأنف أن يقيّد بقيود ثقيلة بعد أن عاش حرّا طليقا يحلق هو وسواه من ألوان الفنون في أجواء الحرية والجمال. ويقول البحتري: [المنسرح]
كلفتمونا حدود منطقكم في ... الشعر، يغني صدقه عن كذبه
ويقول جميل صدقي الزهاوي (1) :
وهناك شيء يستحبّه الذين تشبّعت أدمغتهم بالأدب الغربي هو وجوب أن تكون القصيدة الواحدة خاصة بفكرة واحدة أو وصفها لشيء واحد من غير خروج إلى غير الموضوع ولو كان في فصل منعزل عن الأول. وهذا ليس من الشعر في أصله بل هو تابع للأذواق ولطريقة الشاعر في شعره، ولا ينوّع الشاعر المبرز في العربية الموضوع في كل قصيدة فكثيرا ما يحصر شعره في القصيدة الواحدة في موضوع واحد، وإذا نوّع الموضوع فهو يتسلّل إلى الثاني بمناسبة وبعد فصله عن الأول مريد بذلك أن تكون قصيدته كالروضة الغنّاء محتوية على مختلف الأزهار.
وهذا أقرب إلى الطبيعة وليس فيه ما يؤخذ عليه، غير كونه ينادي في ما يفعله شعراء الغرب. ولكل أمة سياق ونزعة ليست لأختها.
وأعتقد أن الكتّاب الذين يزرون بشعر شعرائنا على الإطلاق لو أتيح لهم أن يكونوا شعراء لما خرجوا كثيرا عن النهج الذي يمشي عليه المبرزون من هؤلاء.
والسبب هو ما قدّمته من اختلاف ألوان الشعور عندنا عن ألوانه عند الغربيين من جهة وقيد القافية وإعرابها عندنا وفقدانه عندهم من جهة أخرى.
وقد همّ كثيرون من الشعراء المضطلعين من العلوم العصرية بتقليد الغرب في شعره فلم يكن ما أتوا به غربيّا ولا شرقيّا ولم يوفّقوا إلا في ألوان من الشعور هي مشتركة بين الأمم جميعا.
من مقال له نشر بالسياسة الأسبوعية عام 1927.