أفرض أن العربية تتّسع لألوان الشعور الغربي ولكن هل يوجد في أذواق أكثريّة القرّاء هذا المتّسع. الشاعر لا يغني لنفسه وحدها وإنما كل مكافأته أن يصغي شعبه إلى ألحان قيثارته. ومهما تمرّد الشاعر الكبير على الأساليب والتصوّرات في أمته فهو لا يستطيع أن يظفر مرة واحدة إلى تصوّرات وأساليب تخالف ما ألفه شعبه فيقطع الوشائج القوية التي تربط الحال بالماضي.
والحق أن كثيرا من الشعراء مع ما لهم من الاطّلاع الواسع على آداب الغرب وعلومه مضطرون إلى التطور داخل تطوّر اللغة وتطوّر أبناء اللغة، وقد يسبقونهم إلا أنهم لا يبعدون عنهم كل البعد، وهذا التطوّر اليوم ليس بمفقود تماما ولا يصحّ أن يحشر الشعراء جميعا في صيد واحدا، كما لا يجوز الحكم على جميع الكتاب بالخطل لأن الأكثرية منهم تركب الشطط في كتابتها.
وفي الحق أن وحدة القصيدة ليست هي كل شيء في الشعر، وأن الشعر الجاهلي صورة لحياة الصحراء وتفكيرها ونظرها إلى الأشياء وحكمها، والقصيدة في الشعر الجاهلي تربطها وحدة عامّة ومنهج محدود من افتتاحها بالغزل ثم وصف مناظر الصحراء التي شاهدها الشاعر في طريقه، ثم الإلمام بالغرض المقصود من القصيدة.
وأعتقد أن أنفة الشاعر الجاهلي دعته إلى أن يصف المدح بكثير من تصوير عواطفه ومناظر بيئته حتى لا يظهر خضوع نفسه لمطالب الحياة وحاجات العيش. وكل قصيدة من مشهورات القصائد الجاهلية تربطها وحدة عامّة. وإن كان ميزان المنطق لا يتحكّم في هذه الوحدة التي جاءت أثرا للبيئة وحياة الشاعر. ويقول نويدلكه المستشرق الهولندي: «وفي أحوال كثيرة يحتفظ الشاعر الجاهلي بوحدة الفكرة في قصيدته بأن يجعل كلّا من أقسامها خاصّا بوصف مناظر وحوادث من حياة الشاعر نفسه أو الحياة العامّة التي يحييها البدو في الصحراء» .
ويقول العقاد في نقد الشعر الجاهلي (1) :
«ليس الذي نرويه من قصائد الجاهليين بالنموذج الذي يقتدى به في النظم لأنه في الغالب أبيات مبعثرة تجمعها قافية واحدة، يخرج فيها الشاعر من المعنى ثم يعود إليه ثم يخرج منه على غير وتيرة معروفة ولا ترتيب مقبول. وفي تلك القصائد غير التفكّك وضعف الصياغة كثير من العيوب العروضية والتكرير الساذج والاقتسار ص 103مراجعات في الأدب والفنون للعقاد.