فهرس الكتاب

الصفحة 541 من 550

المكروه (1) والتجوّز المعيب، الذي يؤخذ من روايته أن الشعر لم يكن فنّا استقل به صنّاعه الخبيرون به، وإنما كان ضربا من الكلام يقوله كل قائل «ويروي المحكم منه وغير المحكم على السواء» . فنراه يذهب:

أولا: إلى أن في الشعر الجاهلي كثيرا من العيوب العروضية والتكرير الساذج المكروه والتجوّز المعيب.

وثانيا: إلى أن هذا الشعر بادي التفكّك مهلهل الصياغة، لم تنظمه روح شاعرة قوية تعرف كيف ترتب المعاني وتوائم بينها.

ويدّعي أخيرا أنه لم يكن فنّا راقيا له رجاله، بل نظمه الشاعر والشعرور وقاله كل قائل.

وهو لهذا كله، في نظر الناقد غير جدير بأن نتّخذه مثالا ننهج على نهجه.

وعجيب جدّا هذا الفهم والحكم والنقد، فإن الشعر إنما هو نتاج العبقرية العربية الأولى، التي أثلت مواهبها المجد والذكر للجزيرة العربية ولأبنائها من الشعراء الموهوبين.

وهو التراث العتيد الذي أخذ من فم الرواة وبطون الأسفار، فردّده الخلف كما ردّده السّلف، وأحاطوه بالرعاية والتقدير.

ولا يزال منذ أجيال بعيدة مشرّع الثقافة العربية الذي يرده كل صاد إلى فهم كتاب الله أو راغب في الأخذ من البلاغة العربية بنصيب.

وهو على مظهره البدوي البريء من سمات التكلّف والحضارة، جميل الحاشية، مشبوب الخيال، آسر الأسلوب، جزل اللفظ على غرابة فيه، يخاطب العاطفة والوجدان قبل أن يخاطب الفكر والعقل، وإن كانت تلك ميزة الفنون الجميلة، في جميع عصورها، وعلى شتّى مذاهبها ومعانيه مطبوعة بطابع السذاجة فهي قريبة المأخذ، بسيطة الفكرة، وثيقة الاتصال بالحياة العربية والجاهلية، لا نكاد نرى فيها غلوّا أو تقيدا، ولا تمثّل ثقافة واسعة أو فلسفة بعيدة فهو على كل حال صورة للعقلية العربية. ولهذه الشاعرية العربية التي فاض ينبوعها على لسان الشعراء الملهمين الشادين بجمال الصحراء المطبوع، والمترجمين عن أسرار العواطف وخلجات الوجدان وخطرات القلوب.

اقتسره على الأمر: أكرهه عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت