احتجوا بوجوهٍ، أحدها: قوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [1]
والحكم بالقياس حكم بغير ما أنزل الله. وثانيها: قوله عليه الصلاة والسلام: (( تعمل هذه الأمة بُرْهةً بالكتاب وبُرْهةً بالسنة وبُرْهةً بالقياس فإذا فعلوا ذلك فقد ضَلُّوا ) ) [2] . وثالثها: أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يذمُّون القياس، قال الصدِّيق رضي الله عنه: (( أيُّ سماءٍ تُظِلُّنِي وأيُّ أرضٍ تُقِلُّني إذا قلتُ في كتاب الله برأيي ) ) [3] ، وقال عمر رضي الله عنه: (( إيَّاكم وأصحابَ الرأي فإنهم أعداءُ السُّنَن [4]
أعْيَتْهم الأحاديثُ أن يُحْصُوها [5] ،
فقالوا بالرأي فضَلُّوا وأضلُّوا )) [6] . وقال
(1) ابن عباس رضي الله عنهما لما قالت المرأة الخثعمية: أفأحجُّ عنه؟ قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( نعم، فإنه لو كان على أبيك دَيْن قضيتِهِ ) ). ومما يشابه حديثَ المصنف حديثُ ابن عباس رضي الله عنهما في رجلٍ سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن حج أبيه، وهو شيخ كبير لا يثبت على الراحلة، فقال له: (( أفرأيتَ لو كان عليه دَيْنٌ فقضيْتَه أكان مُجْزِئاً؟ ) )قال: نعم. قال: (( فحجَّ عن أبيك ) )رواه النسائي في سننه الصغرى (5408) ، والبيهقي في سننه الكبرى (4 / 429) . وكذلك حديث ابن عباس عن امرأةٍ من جهينة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أمي نذرتْ أن تحجَّ فلم تحجَّ حتى ماتت، أفأحجُّ عنها؟ قال: (( نعم حُجِّي عنها، أرأيتِ لو كان على أمِّكِ دَيْنٌ أكنْتِ قاضيتَه؟ ، اقضوا الله، فالله أحقُّ بالوفاء ) )رواه البخاري (1852) .
)سورة المائدة، من الآية: 47.
(2) رواه أبو هريرة رضي الله عنه مرفوعاً، وأخرجه أبو يعلى في مسنده (10 / 240) ، والخطيب البغدادي في: الفقيه والمتفقه (1 / 449) ، وابن حنبل في: العلل ومعرفة الرجال (1 / 470) ، والعُقيلي في: الضعفاء (1 / 207) ، وابن حزم في الإحكام (2 / 225) وغيرهم، وجميعها ليس فيها لفظ (( القياس ) )بل مكانها (( الرأي ) )والحديث ضعَّفه الهيثمي في مجمع الزوائد (1 / 179) ، والألباني في ضعيف الجامع الصغير برقم (2457) . وقال الزركشي: (( هذا حديث لا تقوم به حجة ) )المعتبر ص 226.
(3) رواه البيهقي في شعب الإيمان (2 / 424) ، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (2/ 834) ، وابن أبي شيبة في مصنفه (6 / 136) . وقال ابن كثير في تفسيره (1 / 16) بأنه منقطع. وأورد ابن حجر الحديث من طريقين كلاهما فيه انقطاع، ثم قال: (( لكن أحدهما يقوي الآخر ) )فتح الباري
(4) في ق: (( الدِّين ) )ولم أجدها في روايات الأثر، ولعلَّها تحريف.
(5) في ن: (( يُحصِّلوها ) )ولم أجدها فيما وقفت عليه من روايات الأثر، وفي س: (( يحصرها ) )وهو خطأ
نحوي، لأن الواجب اتصال واو الجماعة بها ليكون من الأفعال الخمسة. والصواب: (( يحصروها ) )، والذي وجدته في الأثر لفظ (( يحفظوها ) ).
(6) أخرجه الدارقطني في سننه (4 / 146) ، والخطيب البغدادي في: الفقيه والمتفقه (1 / 453) ، وابن حزم في: الإحكام (2 / 780) ، وابن عبد البر في: جامع بيان العلم وفضله (2/ 1042، 1043) . قال ابن القيم - بعد سوقه جملةً من الآثار عن عمر رضي الله عنه هذا أحدُها - قال: (( وأسانيد هذه الآثار عن عمر في غاية الصحة ) )إعلام الموقعين (1 / 63) .