ب - (( ومما شُنِّع على مالك رحمه الله مخالفته لحديث بيع الخيار مع روايته له، وهو مَهْيع متسَّع، ومسلك غير ممتنع، فلا يوجد عالم إلا وقد خالف من كتاب الله، وسنة نبيّه عليه الصلاة والسلام أدلةً كثيرة لمعارضٍ راجحٍ عليها عند مخالفها. . . ) ) [1] .
جـ - (( ينقل عن مذهبنا أن من خواصه اعتبار العوائد، والمصلحة المرسلة، وسد الذرائع. وليس كذلك. . . ) ) [2] .
لكنه رحمه الله لم يكن متعصبًا للمذهب على حساب الحق وهو في معرض بيان المسائل الأصولية، فمثلًا يقول:
أ - (( فتأمَّل ذلك، فقد غلط فيه جماعة من أكابر الفقهاء المالكية وغيرهم. . . ) ) [3] .
ب - (( تنبيه: قال مالك والشافعي وابن حنبل: إن النهي يدل على الفساد، وقال أبو حنيفة: هو يدل على الصحَّة، فالكلُّ طردوا أصولهم إلا مالكًا ) ) [4] .
ولم تقتصر عناية القرافي على نقل آراء علماء مذهبه بل شملت عنايته كذلك رَصْد آراء علماءٍ أفذاذٍ من فحول الأصوليين، ممن لا تعرف لهم تآليف يُعوَّل عليها:
كأحمد بن حنبل، وأبي إسحاق الإسفراييني، وعيسى بن أبان، وأبي الحسن الكرخي، وأبي بكر الصيرفي، وابن سريج وغيرهم. ومن المعتزلة كأبي علي الجبائي، وابنه أبي هاشم، والنظَّام، والجاحظ، والقاضي عبد الجبار وغيرهم.
خامسًا: بروز شخصية القرافي الفذَّة في هذا الكتاب، وفي سائر كتبه عامةً. فلقد وُهِبَ شخصيةً فريدةً مستقلة لم تكن منساقةً وراء الأقوال دون تمحيص، ولم تَنْجرَّ خلف أحدٍ بدافع التبعيّة والتقليد، ومع كونه مالكيًا إلاّ أن اختياراته ومناقشاته، وترجيحاته وتنقيحاته، ونقوده وردوده، توحي بانخلاعه عن ربقة التعصّب المذهبي، فكانت نظراته عند عرضه لمسائل الخلاف موضوعيةً حياديةً.
وتلازمنا هذه الشخصية المتميزة دائمًا في ثنايا الكتاب من خلال مخالفته لآراء بعض العلماء، وإصداره أحكامًا عليها، وانفراداته في بعض المسائل العلمية.
(1) انظر: القسم التحقيقي ص 507.
(2) انظر: القسم التحقيقي ص 504.
(3) شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص 212.
(4) المصدر السابق ص 176.