فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 171

فإذا توافرت هذه الشروط فحيَّ على الجهاد، والنَّاس في هذا الزَّمان في مسألة الجهاد على ثلاثة أقسام، طرفان ووسط:

طرفٌ ألغى الجهاد بالكليِّة، وهم غلاة المتصوِّفة، وزعموا أنَّ زمن الجهاد قد ولَّى وانقضى، وقالوا: رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، وقالوا: علينا أن نكتفي بجهاد النَّفس فقط، ولا نزيد على ذلك، وهذا من الخنوع، وهذا من جحد فرائض الله -تبارك وتعالى-، فالجهاد باق إلى قيام السَّاعة (( مَن مَاتَ ولَم يَغزُ، ولَم يُحدِّث نَفسَهُ بِالغَزو، فَمِيتتُهُ مِيتةٌ جَاهلِيَّة ) ) [1] أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

وآخرون سمَّوا الجهاد بغير اسمه، وألقوا بالمسلمين في متاهات خطيرة؛ بل زعموا أنَّ قتال المسلمين هو الجهاد، وزعموا أنَّ الخروج على أئمَّة المسلمين هو الجهاد في سبيل الله، وزعموا أنَّ التفجيرات في بلاد المسلمين هو الجهاد في سبيل الله، وزعموا أنَّ قتال من يخالفهم كما هو منهج الخوارج متعيِّنٌ قبل جهاد الكفار، وهذا هو مذهب الخوارج المارقين من الدين، القُدامى والمعاصرين، والذين أخبر عنهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنَّهم (( حُدَثَاءُ الأَسنَانِ، سُفَهَاءُ الأَحلاَمِ، يَقتُلُونَ أَهلَ الإسلاَمِ، وَيَدَعُون أَهلَ الأَوثَانِ، يَقرَؤُونَ القُرآنَ لاَ يُجَاوِز حَنَاجِرَهُم، يَقُولُون مِن قَولِ خَيرِ البَرِيَّة، يَمرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمرُقُ السَّهمُ مِنَ الرَّمِيَّة، لاَ يَعودُونَ إلَيهِ حَتَّى يَعودَ السَّهمُ إلَى فُوقِهِ ) ) [2] ، هؤلاء أدعياء الجهاد، الذين فرَّقوا الأمَّة، والذين أصبحوا خِنجرًا مسمومًا في صدور الأمَّة قبل أعدائها، والذين يجب البدء بهم؛ يقول النبي

(1) لم أجده إلا بهذا اللفظ: عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَ ضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (( مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ, وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِهِ, مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ ) ). رواه مسلم (1910) .

(2) رواه البخاري: 3342.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت