"يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات"تبدل غير السموات، وهذا التبديل، تبديل صفات، لا تبديل ذات، فإن الأرض يوم القيامة تسوى وتمد كمد الأديم، ويلقى ما على ظهرها من جبل ومعلم، فتصير قاعا صفصفا، لا ترى فيها عوجا ولا أمتا، وتكون السماء، كالمهل، من شدة أهوال ذلك اليوم، ثم يطويها الله تعالى بيمينه."وبرزوا"أي: الخلائق من قبورهم إلى يوم بعثهم، ونشورهم في محل لا يخفى منهم على الله شيء،"لله الواحد القهار"أي: المتفرد بعظمته وأسمائه وصفاته، وأفعاله العظيمة، وقهره لكل العوالم فكلها تحت تصرفه وتدبيره، فلا يتحرك منها متحرك، ولا يسكن ساكن إلا بإذنه."وترى المجرمين"أي: الذين وصفهم الإجرام، وكثرة الذنوب،"يومئذ"في ذلك اليوم"مقرنين في الأصفاد"أي: يسلسل كل أهل عمل من المجرمين، بسلاسل من نار، فيقادون إلى العذاب، في أذل صورة وأشنعها، وأبشعها."سرابيلهم"أي: ثيابهم"من قطران"وذلك لشدة اشتعال النار فيهم وحرارتها، ونتن ريحها،"وتغشى وجوههم"التي هي أشرف ما في أبدانهم"النار"أي: تحيط بها، وتصلاها من كل جانب، وغير الوجوه من باب أولى وأحرى، وليس هذا ظلما من الله، وإنما هو جزاء لما قدموا وكسبوا، ولهذا قال تعالى:"ليجزي الله كل نفس ما كسبت"من خير وشر، بالعدل والقسط، الذي لا جور فيه بوجه من الوجوه."إن الله سريع الحساب"كقوله تعالى:"اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون"، ويحتمل أن معناه: سريع المحاسبة، فيحاسب الخلق في ساعة واحدة ما يرزقهم ويدبرهم بأنواع التدابير، في لحظة واحدة، لا يشغله شأن عن شأن، وليس ذلك بعسير عليه سبحانه. فلما بين البيان المبين في هذا القرآن، قال في مدحه:"هذا بلاغ للناس"أي: يتبلغون به، ويتزودون إلى الوصول إلى أعلى المقامات وأفضل الكرامات، لما اشتمل عليه من الأصول والفروع، وجميع العلوم