فأجاب الله دعاءه، فأخرج من ذرية إسماعيل، محمدا صلى الله عليه وسلم، حتى دعا ذريته إلى الدين الإسلامي، وإلى ملة أبيهم إبراهيم، فاستجابوا له وصاروا مقيمي الصلاة. وافترض الله حج هذا البيت، الذي أسكن به ذرية إبراهيم، وجعل فيه سرا عجيبا، جاذبا للقلوب، فهي تحجه، ولا تقضي منه وطرا على الدوام، بل كلما أكثر العبد التردد إليه، ازداد شوقه، وعظم ولعه وتوقه، وهذا سر إضافته تعالى إلى نفسه المقدسة."وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون"فأجاب الله دعاءه، فصار يجبى إليه، ثمرات كل شيء، فإنك ترى مكة المشرفة كل وقت، والثمار فيها متوفرة، والأرزاق تتوالى إليها من كل جانب."ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن"أي: أنت أعلم بنا منا، فنسألك من تدبيرك وتربيتك لنا، أن تيسر لنا من الأمور التي نعلمها، والتي لا نعلمها، ما هو مقتضى علمك ورحمتك،"وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء"ومن ذلك هذا الدعاء الذي لم يقصد به الخليل إلا الخير، وكثرة الشكر لله رب العالمين."الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق"فذلك من أكبر النعم، وكونه على الكبر، في حال الإياس من الأولاد، نعمة أخرى، وكونهم أنبياء صالحين، أجل وأفضل،"إن ربي لسميع الدعاء"أي: لقريب الإجابة، ممن دعاه، وقد دعوته، ولم يخيب رجائي، ثم دعا لنفسه ولذريته. فقال:"رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب"، فاستجاب الله له في ذلك كله، إلا أن دعاءه لأبيه، إنما كان من موعدة وعدها إياه، فلما تبين له أنه عدو لله، تبرأ منه.