"فلينظر الإنسان مم خلق"، أي: فليتدبر خلقته ومبدأه، فإنه"خلق من ماء دافق"، وهو المني الذي"يخرج من بين الصلب والترائب"، يحتمل أنه من بين صلب الرجل، وترائب المرأة، وهي ثدياها. ويحتمل أن المراد: المني الدافق، وهو مني الرجل، وأن محله الذي يخرج منه ما بين صلبه وترائبه. ولعل هذا أولى، فإنه إنما وصف به الماء الدافق، الذي يحس به ويشاهد دفقه، وهو مني الرجل. وكذلك لفظ الترائب، فإنها تستعمل للرجل، فإن الترائب للرجل، بمنزلة الثديين للأنثى، فلو أريد الأنثى، لقيل:"من الصلب والثديين"، ونحو ذلك، والله أعلم. فالذي أوجد الإنسان من ماء دافق، يخرج من هذا الموضع الصعب، قادر على رجعه في الآخرة، وإعادته للبعث، والنشور والجزاء. وقد قيل: إن معناه، أن الله على رجع الماء المدفوق، في الصلب لقادر، وهذا المعنى وإن كان صحيحا، فليس هو المراد من الآية، ولهذا قال بعده:"يوم تبلى السرائر"، أي: تختبر سرائر الصدور، ويظهر ما كان في القلوب من خير وشر، على صفحات الوجوه كما قال تعالى:"يوم تبيض وجوه وتسود وجوه". ففي الدنيا، ينكتم كثير من الأشياء، ولا يظهر عيانا للناس، وأما يوم القيامة، فيظهر بر الأبرار، وفجور الفجار، وتصير الأمور علانية. وقوله:"فما له من قوة"، أي: من نفسه يدفع بها"ولا ناصر"من خارج، ينتصر به، فهذا القسم على العاملين، وقت عملهم، وعند جزائهم.
قوله تعالى:? سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى * وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى * فَجَعَلَهُ غُثَاء أَحْوَى * ? (الأعلى: 1 - 5)
? قال الإمام السعدي رحمه الله تعالى