أي: الصراط المستقيم، والدين القويم."ويحسبون أنهم مهتدون"بسبب تزيين الشيطان للباطل، وتحسينه له، وإعراضهم عن الحق، فاجتمع هذا وهذا. فإن قيل: فهل لهذا من عذر، من حيث إنه ظن أنه مهتد، وليس كذلك؟ قيل: لا عذر لهذا وأمثاله، الذين مصدر جهلهم، الإعراض عن ذكر الله، مع تمكنهم من الاهتداء. فزهدوا في الهدى، مع القدرة عليه، ورغبوا في الباطل، فالذنب ذنبهم، والجرم جرمهم. فهذه حالة هذا المعرض عن ذكر الله في الدنيا، مع قرينه، وهي الضلال والغي، وانقلاب الحقائق. وأما حاله، إذا جاء ربه في الآخرة، فهو شر الأحوال، وهو: الندم والتحسر، والحزن الذي لا يجبر مصابه، والتبري من قرينه، ولهذا قال تعالى:"حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين". كما في قوله تعالى:"ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا"
.وقوله تعالى:"ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون"أي: ولا ينفعكم يوم القيامة، اشتراككم في العذاب، أنتم وقرناؤكم، وأخلاؤكم. وذلك لأنكم اشتركتم في الظلم، فاشتركتم في عقابه وعذابه. ولن ينفعكم أيضا، روح التسلي في المصيبة فإن المصيبة إذا وقعت في الدنيا، واشترك فيها المعاقبون، هان عليهم بعض الهون، وتسلى بعضهم ببعض. وأما مصيبة الآخرة، فإنها جمعت كل عقاب، ما فيه أدنى راحة، حتى ولا هذه الراحة. نسألك يا ربنا العافية، وأن تريحنا برحمتك ....