قد شككت فيها أو رأيتها غير مستيقنة، فالطريق مفتوح وباب البحث غير مغلق فرد الدليل بالدليل، والبرهان بالبرهان، ولن تجد لذلك سبيلا، ما دام الملوان. كيف وقد أخبر الله عنه، أنه جحدها مع استيقانها، كما قال تعالى:"وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا"، وقال موسى:"لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر"، فعلم أنه ظالم في جداله، قصده، العلو في الأرض. ثم استطرد في هذا الدليل القاطع، بذكر كثير من نعمه وإحسانه الضروري، فقال:"الذي جعل لكم الأرض مهدا"أي: فراشا بحالة تتمكنون من السكون فيها، والقرار، والبناء، والغراس، وإثارتها للأزدراع وغيره، وذللها لذلك، ولم يجعلها ممتنعة عن مصلحة من مصالحكم."وسلك لكم فيها سبلا"أي: نفذ لكم الطرق الموصلة. من أرض، إلى أرض، ومن قطر إلى قطر، حتى كان الآدميون، يتمكنون من الوصول إلى جميع الأرض بأسهل ما يكون، وينتفعون بأسفارهم، أكثر مما ينتفعون بإقامتهم."وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى"أي: أنزل المطر"فأحيا به الأرض بعد موتها"وأثبت بذلك جميع أصناف النباتات على اختلاف أنواعها، وتشتت أشكالها، وتباين أحوالها، فساقه، وقدره، ويسره، ورزقا لنا ولأنعامنا، ولولا ذلك، لهلك من عليها من آدمي وحيوان. ولهذا قال:"كلوا وارعوا أنعامكم"وساقها على وجه الامتنان، ليدل ذلك على أن الأصل في جميع النباتات الإباحة، فلا يحرم منهم، إلا ما كان مضرا، كالسموم ونحوه."إن في ذلك لآيات لأولي النهى"أي: لذوي العقول الرزينة، والأفكار المستقيمة على فضل الله، وإحسانه، ورحمته، وسعة جوده، وتمام عنايته، وعلى أنه الرب المعبود، المالك المحمود، الذي لا يستحق العبادة سواه، ولا الحمد والمدح والثناء، إلا من امتن بهذه النعم، وعلى أنه على كل شيء قدير، فكما أحيا الأرض بعد موتها، إن ذلك