ثم أمر الله تعالى رسوله أن يتوكل عليه، ويستعين به فقال:"وتوكل على الحي"الذي له الحياة الكاملة المطلقة"الذي لا يموت وسبح بحمده"أي: اعبده، وتوكل عليه في الأمور المتعلقة بك، والمتعلقة بالخلق."وكفى به بذنوب عباده خبيرا"يعلمها، ويجازي عليها، فأنت، ليس عليك من هداهم شيء، وليس عليك حفظ أعمالهم. وإنما ذلك كله، بيد الله"الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى"بعد ذلك"على العرش"الذي هو سقف المخلوقات، وأعلاها، وأوسعها، وأجملها"الرحمن"استوى على عرشه، الذي وسع السموات والأرض، باسمه الرحمن، الذي وسعت رحمته كل شيء فاستوى على أوسع المخلوقات، بأوسع الصفات. وأثبت بهذه الآية، خلقه للمخلوقات، واطلاعه على ظاهرهم وباطنهم، وعلوه فوق العرش، ومباينته إياهم."فاسأل به خبيرا"يعني بذلك، نفسه الكريمة، فهو الذي يعلم أوصافه، وعظمته، وجلاله، وقد أخبركم بذلك، وأبان لكم من عظمته، ما تستعدون به من معرفته، فعرفه العارفون، وخضعوا لجلاله. واستكبر عن عبادته الكافرون، واستنكفوا عن ذلك، ولهذا قال:"وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن"أي: وحده، الذي أنعم عليكم بسائر النعم، ودفع عنكم جميع النقم."قالوا"جحدا وكفرا"وما الرحمن"بزعمهم الفاسد، أنهم لا يعرفون الرحمن. وجعلوا من جملة قوادحهم في الرسول، أن قالوا: ينهانا عن اتخاذ آلهة مع الله، وهو يدعو معه إلها آخر، يقول:"يا رحمن"ونحو ذلك، كما قال تعالى:"قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى"، فأسماؤه تعالى كثيرة، لكثرة أوصافه، وتعدد كماله، فكل واحد منها، دل على صفة كمال."أنسجد لما تأمرنا"أي: لمجرد أمرك إيانا. وهذا مبني منهم على التكذيب بالرسول، واستكبارهم عن طاعته،"وزادهم"دعوتهم إلى السجود للرحمن"نفورا"هربا من الحق إلى الباطل،