لما ذكر تعالى نعمته على عباده بالطعام، ذكر نعمته عليهم بالشراب العذب الذي منه يشربون، وأنه لولا أن الله يسره وسهله، لما كان لكم إليه سبيل، وأنه الذي أنزله من المزن، وهو السحاب والمطر، الذي ينزله الله تعالى، فتكون منه الأنهار الجارية على وجه الأرض، وفي بطنها، وتكون منه الغدران المتدفقة. ومن نعمته تعالى أن جعله عذابا فراتا، تسيغه النفوس، ولو شاء لجعله ملحا أجاجا، لا ينتفع به."فلولا تشكرون"الله تعالى على ما أنعم به عليكم.
"أفرأيتم النار التي تورون أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين فسبح باسم ربك العظيم"
وهذه نعمة تدخل في الضروريات، التي لا غنى للخلق عنها، فإن الناس محتاجون إليها في كثير من أمورهم وحوائجهم، فقررهم تعالى بالنار التي أوجدها في الأشجار، وأن الخلق لا يقدرون أن ينشئوا شجرها، وإنما الله تعالى قد أنشأها من الشجر الأخضر، فإذا هي نار توقد، بقدر حاجة العباد، فإذا فرغوا من حاجتهم، أطفأوها وأخمدوها."نحن جعلناها تذكرة"للعباد بنعمة ربهم، وتذكرة بنار جهنم، التي أعدها الله للعاصين، وجعلها سوطا، يسوق به عباده إلى دار النعيم."ومتاعا للمقوين"، أي: المنتفعين أو المسافرين، وخص الله المسافرين لأن نفع المسافر أعظم من غيره، ولعل السبب في ذلك؛ لأن الدنيا كلها دار سفر، والعبد من حين ولد، فهو مسافر إلى ربه، فهذه النار، جعلها الله متاعا للمسافرين في هذه الدار، وتذكرة لهم بدار القرار. فلما بين من نعمه ما يوجب الثناء عليه من عباده، وشكره، وعبادته، أمر بتسبيحه وتعظيمه، فقال:"فسبح باسم ربك العظيم"، أي: نزه ربك العظيم، كامل الأسماء والصفات، كثير الإحسان والخيرات. واحمده بقلبك، ولسانك، وجوارحك، لأنه أهل لذلك، وهو المستحق لأن يشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى، ويطاع فلا يعصى.