فهرس الكتاب

الصفحة 765 من 973

لما عرف السحرة الحق، ورزقهم الله من العقل ما يدركون به الحقائق، أجابوا فرعون بقولهم:"لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات"الدالات على أن الله هو الرب المعبود وحده، المعظم المبجل وحده، وأن ما سواه باطل، ونؤثرك على الذي فطرنا وخلقنا. هذا لا يكون"فاقض ما أنت قاض"مما أوعدتنا به، من القطع، والصلب، والعذاب."إنما تقضي هذه الحياة الدنيا"أي: إنما توعدنا به، غاية ما يكون في هذه الحياة الدنيا، ينقضي ويزول ولا يضرنا، بخلاف عذاب الله، لمن استمر على كفره، فإنه دائم عظيم. وهذا كأنه جواب منهم لقوله:"ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى"، وفي هذا الكلام، من السحرة، دليل على أنه ينبغي للعاقل، أن يوازن بين لذات الدنيا، ولذات الآخرة، وبين عذاب الدنيا، وعذاب الآخرة."إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا"أي: كفرنا ومعاصينا، فإن الإيمان مكفر للسيئات، والتوبة تجب ما قبلها. وقولهم:"وما أكرهتنا عليه من السحر"الذي عارضنا به الحق، هذا دليل على أنهم غير مختارين في عملهم المتقدم، وإنما أكرههم فرعون إكراها. والظاهر ـ والله أعلم ـ أن موسى لما وعظهم كما تقدم في قوله:"ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب"أثر معهم، ووقع منهم موقعا كبيرا، ولهذا تنازعوا بعد هذا الكلام والموعظة، ثم إن فرعون ألزمهم ذلك، وأكرمهم على المكر الذي أجروه، ولهذا تكلموا بكلامه السابق، قبل إتيانهم، حيث قالوا:"إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما"فجروا على ما سنه لهم، وأكرههم عليه. ولعل هذه النكتة، التي قامت بقلوبهم، من كراهتهم لمعارضة الحق بالباطل وفعلهم، ما فعلوا على وجه الإغماض، هي التي أثرت معهم، ورحمهم الله بسببها، ووفقهم للإيمان والتوبة، والله خير مما أوعدتنا من الأجر والمنزلة والجاه، وأبقى ثوابا وإحسانا لا ما يقول فرعون"ولتعلمن أينا أشد"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت