هذه تسلية للرسول، وتصبير له عن المبادرة إلى إهلاك المكذبين، المعرضين، وأن كفرهم وتكذيبهم، سبب صالح، لحلول العذاب بهم، ولزومه لهم، لأن الله جعل العقوبات، سببا وناشئا عن الذنوب، ملازما لها. وهؤلاء قد أتوا بالسبب، ولكن الذي أخره عنهم، كلمة ربك، المتضمنة لإمهالهم وتأخيرهم، وضرب الأجل المسمى، فالأجل المسمى ونفوذ كلمة الله، هو الذي أخر عنهم العقوبة إلى إبان وقتها، ولعلهم يراجعون أمر الله، فيتوب عليهم، ويرفع عنهم العقوبة، إذا لم تحق عليهم الكلمة. ولهذا أمر الله رسوله، بالصبر على أذيتهم بالقول، وأمره أن يتعوض عن ذلك، ويستعين عليه، بالتسبيح بحمد ربه، في هذه الأوقات الفاضلة، قبل طلوع الشمس، وقبل غروبها، وفي أطراف النهار، أوله وآخره، عموم بعد خصوص، وأوقات الليل وساعاته، ولعلك إن فعلت ذلك، ترضى بما يعطيك ربك من الثواب العاجل والآجل، وليطمئن قلبك، وتقر عينك بعبادة ربك، وتتسلى بها عن أذيتهم، فيخف حينئذ عليك الصبر.
"ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى"أي: ولا تمد عينيك معجبا، ولا تكرر النظر مستحسنا ـ إلى أحوال الدنيا والممتعين بها، من المآكل والمشارب اللذيذة، والملابس الفاخرة، والبيوت المزخرفة، والنساء المجملة. فإن ذلك كله، زهرة الحياة الدنيا، تبتهج بها نفوس المغترين، وتأخذ إعجابا، بأبصار المعرضين، ويتمتع بها ـ بقطع النظر عن الآخرة ـ القوم الظالمون. ثم تذهب سريعا، وتمضي جميعا، وتقتل محبيها وعشاقها، فيندمون حيث لا تنفع الندامة، ويعلمون ما هم عليه إذا قدموا يوم القيامة، وإنما جعلها الله فتنة واختبارا، ليعلم من يقف عندها، ويغتر بها، ومن هو أحسن عملا كما قال تعالى:"إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا"