فهرس الكتاب

الصفحة 863 من 973

أي: أدرك أن يسعى معه، وبلغ سنا يكون في الغالب، أحب ما يكون لوالديه، قد ذهبت مشقته، وأقبلت منفعته. فقال له إبراهيم عليه السلام:"إني أرى في المنام أني أذبحك"أي: قد رأيت في النوم. والرؤيا، أن الله يأمرني بذبحك، ورؤيا الأنبياء وحي"فانظر ماذا ترى"فإن أمر الله تعالى، لا بد من تنفيذه. (قال) إسماعيل صابرا محتسبا، مرضيا لربه، وبارا بوالده:"ستجدني إن شاء الله من الصابرين". أخبر أباه أنه موطن نفسه على الصبر، وقرن ذلك بمشيئة الله تعالى، لأنه لا يكون شيء بدون مشيئة الله."فلما أسلما"أي: إبراهيم وابنه إسماعيل: إبراهيم جازما بقتل ابنه وثمرة فؤاده، امتثالا لأمر ربه، وخوفا من عقابه. والابن قد وطن نفسه على الصبر، وهانت عليه وفي طاعة ربه، ورضا والده."وتله للجبين"أي: تل إبراهيم إسماعيل على جبينه، ليضجعه فيذبحه، وقد انكب لوجهه، لئلا ينظر وقت الذبح إلى وجهه."وناديناه"في تلك الحال المزعجة، والأمر المدهش"أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا"أي: قد فعلت ما أمرت به، فإنك وطنت نفسك على ذلك، وفعلت كل سبب ولم يبقى إلا إمرار السكين على حلقه"إنا كذلك نجزي المحسنين"في عبادتنا، المقدمين رضانا على شهوات أنفسهم."إن هذا"الذي امتحنا به إبراهيم عليه السلام"لهو البلاء المبين"أي: الواضح، الذي تبين به صفاء إبراهيم، وكمال محبته لربه، وخلته. فإن إسماعيل عليه السلام لما وهبه الله لإبراهيم، أحبه حبا شديدا، وهو خليل الرحمن، والخلة أعلى أنواع المحبة، وهو منصب لا يقبل المشاركة ويقتضي أن تكون جميع أجزاء القلب متعلقة بالمحبوب. فلما تعلقت شعبة من شعب قلبه، بابنه إسماعيل، أراد تعالى أن يصفي وده ويختبر خلته. فأمره أن يذبح من زاحم حبه حب ربه. فلما قدم حب الله، وآثره على هواه، وعزم على ذبحه، وزال ما في القلب من المزاحمة، بقي الذبح لا فائدة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت