فهرس الكتاب

الصفحة 924 من 973

يأمر تعالى عباده المؤمنين بما يوجبه الإيمان، ويقتضيه من لزوم تقواه، سرا وعلانية، في جميع الأحوال، وأن يراعوا ما أمرهم الله به، من أوامره وحدوده، وينظروا ما لهم وما عليهم، وماذا حصلوا عليه من الأعمال التي تنفعهم أو تضرهم في يوم القيامة. فإنهم إذا جعلوا الآخرة نصب أعينهم، وقبلة قلوبهم، واهتموا للمقام بها، اجتهدوا في كثرة الأعمال الموصلة إليها، وتصفيتها من القواطع والعوائق، التي توقفهم عن السير، أو تعوقهم أو تصرفهم. وإذا علموا أيضا أن الله خبير بما يعملون، لا تخفى عليه أعمالهم، ولا تضيع لديه، ولا يهملها، أوجب لهم الجد والاجتهاد. وهذه الآية الكريمة، أصل في محاسبة العبد نفسه، وأنه ينبغي له أن يتفقدها، فإن رأى زللا، تداركه بالإقلاع عنه، والتوبة النصوح، والإعراض عن الأسباب الموصلة إليه، وإن رأى نفسه مقصرا، في أمر من أوامر الله، بذل جهده، واستعان بربه في تتميمه، وتكميله، وإتقانه. ويقايس بين منن الله عليه وإحسانه، وبين تقصيره، فإن ذلك يوجب له الحياء لا محالة. والحرمان كل الحرمان، أن يغفل العبد عن هذا الأمر، ويشابه قوما نسوا الله، وغفلوا عن ذكره، والقيام بحقه، وأقبلوا على حظوظ أنفسهم وشهواتها، فلم ينجحوا، ولم يحصلوا على طائل. بل أنساهم الله مصالح أنفسهم، وأغفلهم عن منافعها وفوائدها، فصار أمرهم فرطا، فرجعوا بخسارة الدارين، وغبنوا غبنا، لا يمكن تداركه، ولا يجبر كسره، لأنهم هم الفاسقون، الذين خرجوا عن طاعة ربهم، وأوضعوا في معاصيه. فهل يستوي من حافظ على تقوى الله، ونظر لما قدم لغده، فاستحق جنات النعيم، والعيش السليم ـ مع الذين أنعم الله عليهم، من النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين ـ ومن غفل عن ذكره، ونسي حقوقه فشقي في الدنيا، واستحق العذاب في الآخرة. فالأولون هم الفائزون، والآخرون هم الخاسرون. ولما بين تعالى لعباده

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت