فهرس الكتاب

الصفحة 102 من 341

خطتهم الأصلية، وهي سحق المسلمين، حتى لا تقوم لدينهم قائمة، فقال: {وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا} [البقرة: 217] ، ثم حذر المسلمين من الهزيمة أمام هذه القوى الباغية، والتفريط في الإيمان الذي شرفهم الله به، وناط سعادتهم في الدنيا والآخرة بالبقاء عليه، فقال: {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [لبقرة: 217] ، وزكى القرآن عمل (عبدالله) وصحبه، فقد نفذوا أوامر الرسول بأمانة وشجاعة، وتوغلوا في أرض العدو مسافات شاسعة متعرضين للقتل في سبيل الله، متطوعين لذلك من غير مكره أو محرج، فكيف يجزون على هذا بالتقريع والتخويف؟ قال الله فيهم: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرؤة: 218] [1] .

قال ابن إسحاق: فلما نزل القرآن بهذا الأمر، وفرج الله عن المسلمين، ما كانوا فيه من الشفق [2] ، قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العير والأسيرين، وبعثت قريش في فداء عثمان والحكم بن كيسان، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «لا نفديكموهما حتى يقدم صاحبانا - يعني سعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان - فإنا نخشاكم عليهما، فإن تقتلوهما نقتل صاحبيكم» فقدم سعد، وعتبة، فأفداهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأما الحكم فأسلم، وحسن إسلامه، ومات في بئر معونة شهيدًا، وأما عثمان بن عبد الله فلحق بمكة فمات بها كافرًا [3] .

قال ابن القيم - رحمه الله:"والمقصود أن الله سبحانه حكم بين أوليائه وأعدائه بالعدل"

(1) انظر: فقه السيرة للغزالي: 215 - 217.

(2) الشفق والإشفاق الخوف، النهاية في غريب الحديث (2/ 487) .

(3) سيرة ابن هشام (2/ 193 - 195) عن ابن إسحاق، وقال في آخره: والحديث في هذا عن الزهري ويزيد بن رومان عن عروة بن الزبير، قال الشيخ ناصر الألباني في تعليقه على فقه السيرة ص 215 - 216: وقد رواه البيهقي في سننه الكبرى (9/ 12) بسند صحيح عن الزهري عن عروة مرسلًا به، ولكنه لم يسق الحديث بتمامه، بل طرفًا من أوله، ثم أحال على باقيه، وقد وصله هو وابن أبي حاتم من طريق سليمان التميمي عن الحضرمي عن أبي السوار عن جندب بن عبد الله به مختصرًا، وليس فيه قوله - صلى الله عليه وسلم: «ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام» وسنده صحيح إن كان الحضرمي هذا هو ابن لاحق، فقد قيل إنه غيره وإنه مجهول، ورجحه الحافظ في التهذيب، والله أعلم. ثم رأيت البيهقي قد ساق في موضوع آخر من السنن (9/ 58 - 59) حديث عروة بتمامه وفيه: «ما أمرتكم ... » .اهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت