ثم قاتلهم حتى قتل [1] .
انتهى الظلم والعدوان، ظلم وعدوان الجاهلية وكيدها على الحق والدين. انتهت تلك الأسطورة التي جعلت قريشًا تظن أنها بقوتها وجبروتها تستطيع أن تسحق الحق في نفوس أتباعه، ينتهي أمية بن خلف، السيد المطاع على يد الحق والعدل بيد بلال الحبشي الذي طالما عذبه بمكة، تلك الأنات التي يطلقها بلال: أَحد، أَحد، لم تذهب سدى، إنها سياط في وجه الظلم الكالح في كل زمان ومكان، ويثأر بلال، ولكن الثأر لم يكن لنفسه، وإنما هو للحق الذي يحمله بين جنبيه، وينتهي العدوان، ويرى أهله مصيرهم، والعاقبة للمتقين.
رحم الله بلالا، فقد أعطى القدوة مرتين:
الأولى: لتحمله العذاب والقهر في دين الله، فكان أقوى من الحديد، وأشد من الفولاذ.
الثانية: إذاقته لأعداء الله كأس المنية من يده، ليثبت للدنيا كلها، وللتاريخ البشري انتصار الحق والإيمان على الكفر والعدوان [2] "."
قال الشاعر:
هنيئًا زادك الرحمن خيرًا لقد أدركت ثأرك يا بِلالُ
ولقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه بقتل أمية بن خلف، فكان كما قال [3] .
روى البخاري في صحيحه من حديث عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - قال: كاتبت أمية بن خلف كتابًا، بأن يحفظني في صاغيتي بمكة، وأحفظه في صاغيته بالمدينة، فلما ذكرت الرحمن، قال: لا أعرف الرحمن، كاتبني باسمك الذي كان في الجاهلية، فكاتبته: عبد عمرو، فلما كان في يوم بدر، خرجت إلى جبل لأحرزه [4] حين نام الناس، فأبصره بلال، فخرج حتى وقف على مجلس من الأنصار، فقال: أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا أمية، فخرج معه فريق من الأنصار في آثارنا، فلما خشيت أن يلحقونا، خلفت
(1) ... سبق تخريجه ص 60.
(2) ... مرويات غزوة بدر ص 226.
(3) ... انظر: تفصيل ذلك ص 58.
(4) ... حرز: يقال أرحزت الشيء أحرزه إحرازًا إذا حفظته وضممته إليك، وصنته عن الأخذ، النهاية في غريب الحديث (1/ 366) .