كما اهتم رجال هذه الأمة بنقل شريعة الإسلام للأجيال المتعاقبة حفظا، ورواية، ودراية، بنقل الثقات عن الثقات إجمالًا وتفصيلًا، وكانت الميزة التي امتازت بها هذه الأمة على سائر الأمم: الاهتمام برجال الأسانيد الناقلين للأخبار، والأحكام تدقيقًا، وتحقيقًا، حتى أصبح علم الرجال من العلوم التي لا يستغني عنها المسلمون في كل الأزمنة والأوقات، لأن بها حفظ الدين من الضياع، فكذلك نقل لنا الأثبات عن الأثبات سيرة المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، ورحلوا إلى البلدان المتباعدة يجمعون الأخبار من حامليها؛ ليظهروا سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - متكاملة متناسقة، وألفوا فيها الكتب، وتعلمها الأبناء عن الآباء، كما كانوا يتعلمون القرآن، والحديث، واشتغل كثير من العلماء بتأليف كتب خاصة بسيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام، جامعين أخباره ورحلاته في الجهاد، وسائر حياته - صلى الله عليه وسلم -، ناقلين ذلك بأسانيد عمن رأى وسمع، وشارك من الصحابة والتابعين = رضي الله عنهم -.
ولعل أول من اهتم بكتابة السيرة النبوية عموما هو عروة بن الزبير المتوفى (92 هـ) ، ثم أبان بن عثمان المتوفى سنة (105) ، ثم وهب بن منبه المتوفى سنة (110 هـ) ، ثم شرحبيل بن سعد المتوفى سنة (123 هـ) ، ثم ابن شهاب الزهري المتوفي سنة (124 هـ) ، على أن الكثير من أحداث السيرة النبوية منثور في كتاب الله تعالى، وفي بطون كتب السنة التي تهتم من سيرته - صلى الله عليه وسلم - بأقواله وأفعاله، ولا سيما فيما يتعلق منها بالتشريع، غير أن جميع ما كتبه هؤلاء قد باد وتلف مع الزمن، فلم يصل إلينا منه شيء، ولم يبق منه إلا بقايا متناثرة روى بعضها الطبري، ويقال إن بعضها الآخر - وهو جزء مما كتبه وهب بن منبه - محفوظ في مدينة هايدلبرج بألمانيا، ولكن جاء في الطبقة التي تلي هؤلاء من تلقف كل ما كتبوه، فأثبتوا جله في مدوناتهم التي وصل إلينا معظمها بحمد الله وتوفيقه، ولقد كان في مقدمة هذه الطبقة محمد بن إسحاق، المتوفى سنة (152 هـ) وقد اتفق الباحثون على أن ما كتبه محمد بن إسحاق يعد من أوثق ما كتب في السيرة النبوية في ذلك [1] ، ولئن لم يصل إلينا كتابه المغازي بذاته، إلا أن أبا محمد عبد
(1) ... انظر: عيون الأثر لابن سيد الناس، ترجمة بمحمد بن إسحاق ص 54 - 67، وسير أعلام النبلاء (10/ 428 - 429) .