يحج العرب جميعًا إلى مكة، فضلًا عن وحدة العقيدة بين هذه القبائل وقريش، واشتراك الجميع في معاداة الإسلام. فلا شك إذًا في أن تمكن المسلمين من موادعة هذه القبائل، وتحييدها خلال الصراع يعد نجاحًا كبيرًا لهم في تلك المرحلة.
رابعًا: إبراز قوة المسلمين في المدينة أمام اليهود، وبقايا المشركين، فالمسلمون صاروا لا يقتصرون على السيادة في المدينة، بل يتحركون لفرض سيطرتهم على أطرافها، وما حولها من القبائل، ويؤثرون في مصالحها وعلاقاتها.
خامسًا: إنذار قريش عقبى طيشها، فقد حاربت الإسلام ومازالت تحاربه، ونكلت بالمسلمين في مكة، ثم ظلت ماضية في غيها لا تسمح لأحد من أهل مكة أن يدخل في دين الله، ولا تسمح لهذا الدين أن يجد قرارًا في بقعة أخرى من الأرض، فأحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يشعر كفار قريش وقادتهم بأن هذه الخطة الجائرة ستلحق بهم الأضرار الفادحة، وأنه قد مضى إلى غير عودة ذلك العصر الذي كانوا يعتدون فيه على المؤمنين وهم بمأمن من القصاص [1] .
وفيما يلي أحوال هذه الغزوات والسرايا بإيجاز:
في رمضان سنة (1 هـ) بعث في مقامه ذلك حمزة بن عبد المطلب بن هاشم إلى سيف البحر [2] ، من ناحية العيص [3] ، وكان لواؤه أبيض في ثلاثين رجلًا من المهاجرين؛ ليعترض لعيرات [4] قريش، وأن حمزة لقي أبا جهل بن هشام في ثلاثمائة رجل، فحجز بينهم مجدي بن عمرو الجهني فافترقوا، ولم يكن بينهم قتال، وكان الذي يحمل لواء حمزة أبو مرثد [5] .
(1) انظر: السيرة النبوية الصحيحة، د. أكرم ضياء العمري (2/ 345) ، وفقه السيرة للشيخ الغزالي ص 214.
(2) أي ساحله.
(3) العيص: بالكسر ثم السكون وإهمال الصاد، من الأودية التي تجتمع مع إضم، وفي غزوة ودان بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - حمزة بن عبد المطلب إلى سيف البحر من ناحية العيص، وفي حديث أبي بصير: خرج حتى نزل بالعيص من ناحية ذي المروة، على ساحل البحر بطريق قريش إلى الشام، وقال ابن سعد: سرية زيد بن حارثة إلى العيص على أربع ليال من المدينة، وفاء الوفا (4/ 1270) .
(4) العيرات: جمع عير، يريد إبلهم، ودوابهم التي كانوا يتاجرون عليها. النهاية في غريب الحديث (3/ 329) .
(5) المغازي للواقدي (1/ 9) .