الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126) [آل عمران: 123 - 126] .
فهذه الآيات امتنان منه سبحانه على عباده المؤمنين، وتذكير لهم بما نصرهم به يوم بدر وهم أذلة، في قلة عددهم وعددهم، مع كثرة عدوهم وعددهم، وقد شرط الله لإمدادهم بالملائكة ثلاثة شروط: الصبر والتقوى وإتيان المشركين من فورهم هذا، وما جعله الله - أي إمداده لكم بالملائكة - إلا بشرى تستبشرون بها، وتفرحون وتطمئن قلوبكم بها، وما النصر إلا من عند الله، فلا تعتمدوا على ما معكم من الأسباب، بل الأسباب فيها طمأنينة لقلوبكم، وأما النصر الحقيقي الذي لا معارض له، فهو مشيئة الله ينصر من يشاء من عباده [1] .
وقال ابن كثير - رحمه الله: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ} أي يوم بدر، وكان يوم جمعة، وافق السابع عشر من شهر رمضان من سنة اثنين من الهجرة، وهو يوم الفرقان الذي أعز الله فيه الإسلام وأهله، ودمغ فيه الشرك وخرب محله وحزبه، هذا مع قلة عدد المسلمين يومئذ، فإنهم كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا، فيهم فارسان وسبعون بعيرًا، والباقون مشاة ليس معهم من العدد جميع ما يحتاجون إليه، وكان العدو يومئذ ما بين التسعمائة إلى الألف في سوابغ الحديد والبيض والعدة الكاملة والخيول المسومة [2] ، والحلي الزائد، فأعز الله رسوله، وأظهر الشيطان وجيله، ولهذا قال تعالى ممتنًا على عباده المؤمنين وحزبه المتقين: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وأنتم أذلة} أي قليل عددكم؛ لتعلموا أن النصر إنما هو من عند الله لا بكثرة العدد والعدد [3] .
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97) إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98) } [النساء: 97 - 98] .
(1) انظر: تفسير ابن سعدي، ص 154.
(2) المسومة: قال ابن عباس: المسومة الراعية والمطهمة الحسان، وقال مكحول: المسومة الغرة والتحجيل، وقيل غير ذلك، انظر: تفسير ابن كثير (1/ 352) .
(3) تفسير ابن كثير (1/ 400) .