الكعبة، فخافوهم بسبب ذلك الذي وقع بينهم" [1] ."
وقال أيضًا: فحدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير قال:"لما أجمعت قريش المسير ذكرت الذي كان بينها وبين بني بكر، فكاد ذلك أن يثنيهم، فتبدى لهم إبليس في صورة لسراقة بن مالك بن جعشم المدلجي، وكان من أشراف بني كنانة، فقال: أنا لكم جار من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه، فخرجوا سراعًا" [2] .
قال ابن كثير:"وهذا معنى قوله تعالى: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (47) وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمْ الْيَوْمَ مِنْ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتْ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (48) } [الأنفال: 47 - 48] ، غرهم لعنه الله حتى ساروا، وسار معهم منزلة منزلة، ومعه جنوده وراياته، كما قاله غير واحد منهم، فأسلمهم لمصارعهم، فلما رأى الجد والملائكة تتنزل للنصر، وعاين جبريل نكص على عقبيه، وقال: إني بريء منكم، إني أرى ما لا ترون، إني أخاف الله .. وهذا كقوله تعالى: {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} [الحشر: 16] ."
وقد قال الله تعالى: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء: 81] .
فإبليس لعنه الله لما عاين الملائكة يومئذ تنزل للنصر فر ذاهبًا، فكان أول من هرب يومئذ، بعد أن كان هو المشجع لهم، المجير لهم، كما غرهم ووعدهم ومنّاهم، وما يعدهم الشيطان إلا غرورا" [3] ."
قريش تعد العدة، وتتأهب لقتال النبي - صلى الله عليه وسلم:
قال ابن إسحاق:"فتجهز الناس سراعًا، وقالوا: أيظن محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن"
(1) ... السيرة النبوية (2/ 201 - 203) .
(2) ... السيرة النبوية (2/ 203) ، وسنده صحيح لكنه مرسل، وقد جاء مرفوعًا عند ابن جرير في تفسيره (6/ 265) من حديث ابن عباس بسند ضعيف فيه الحجاج بن أرطاة، وهو صدوق كثير الخطأ والتدليس، كما تقدم، وأخرجه البيهقي في الدلائل (3/ 78 - 79) وفيه علي بن أبي طلحة، وهو لم يسمع من ابن عباس.
(3) ... البداية والنهاية (5/ 62/63) .