بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها عبد الله بن جحش الأسدي في رهط من المهاجرين، وكتب له كتابًا، وأمره أن لا ينظر فيه إلا بعد يومين من مسيره.
فإذا نظر فيه، ووعى ما كلفه الرسول به مضى في تنفيذه غير مستكره أحدًا من أصحابه، فسار عبد الله، ثم قرأ الكتاب بعد يومين، فإذا فيه: «امض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف، فترصد بها قريشًا، وتعلم لنا من أخبارهم» ، فقال عبد الله: سمعًا وطاعة، وأطلع أصحابه على كتاب الرسول قائلًا: إنه نهاني أن أستكره أحدًا منكم، فمن كان يريد الشهادة، ويرغب فيها فلينطلق معي، ومن كره شيئًا من ذلك فليرجع ... فلم يتخلف منهم أحد، غير أن البعير الذي كان يعتقبه"سعد بن أبي وقاص"و"عتبة بن غزوان"ندَّ [1] منهما فشغلا بطلبه، ومضى عبد الله برفاقه حتى نزل أرض نخلة، فمرت عير قريش فهاجمها عبد الله ومن معه، فقتل في هذه المعركة"عمرو بن الحضرمي"وأسر اثنان من المشركين، وعاد عبد الله بالقافلة، والأسيرين إلى المدينة، ووجد المشركون فيما حدث فرصة لاتهام المسلمين بأنهم قد أحلوا ما حرم الله، وكثر في ذلك القيل والقال، حتى نزل الوحي حاسمًا هذه الأقاويل، ومؤيدًا مسلك عبد الله تجاه المشركين قال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنْ الْقَتْلِ} [البقرة: 217] .
فقد صرح هذا الوحي بأن الضجة التي افتعلها المشركون لإثارة الريبة في سيرة المقاتلين المسلمين لا مسوغ لها، فإن الحرمات المقدسة قد انتهكت كلها في محاربة الإسلام، واضطهاد أهله، ألم يكن المسلمون مقيمين بالبلد الحرام حين تقرر سلب أموالهم، وقتل نبيهم؟ فما الذي أعاد لهذه الحرمات قداستها فجأة؟ فأصبح انتهاكها معرة وشناعة، لكن بعض الناس يرفع القوانين إلى السماء عندما تكون في مصلحته. فإذا رأى هذه المصلحة مهددة بما ينتقضها، هدم القوانين والدساتير جميعًا. فالقانون المرعي عنده في الحقيقة هو مقتضيات هذه المصلحة الخاصة فحسب.
وقد أوضح الله عز وجل أن المشركين لن يحجزهم شهر حرام، أو بلد حرام عن المضي في
(1) أي هرب.