هامتهم بتاج الفتح والعز، وما أروق منظر تلك الصلاة التي صلوها بعد أن خرجوا من بيوتهم يرفعون أصواتهم بالتكبير والتوحيد والتحميد، وقد فاضت قلوبهم رغبة إلى الله، وحنينًا إلى رحمته ورضوانه، بعدما أولاهم به من النعم، وأيدهم به من النصر، وقد ذكرهم بذلك قائلًا: {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمْ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الأنفال: 26] [1] .
إن معركة بدر كانت أول لقاء مسلح بين المسلمين والمشركين، وكانت معركة فاصلة أكسبت المسلمين نصرًا حاسمًا شهد له العرب قاطبة، والذين كانوا أشد استياء لنتائج هذه المعركة هم أولئك الذين مُنوا بخسائر فادحة مباشرة، وهم المشركون، أو الذين كانوا يرون عزة المسلمين وغلبتهم ضربة قاصمة على كيانهم الديني والاقتصادي، وهم اليهود. فمنذ أن انتصر المسلمون في معركة بدر كان هذان الفريقان يحترقان غيظًا وحنقًا على المسلمين، قال تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} [المائدة: 82] .
أما اليهود، فلم يعودوا يسيطرون على أفعالهم وأقوالهم التي تنم عن الغضب والحقد المتأججين، فاندفعوا نحو العدوان، مما أدى إلى إجلاء بني قيقناع عن المدينة.
أما المشركون، فلم يصدقوا ما حدث، فقد قتل سادتهم وأبطالهم، ولكنهم تجلدوا فمنعوا البكاء والنياحة على قتلاهم؛ لئلا يشمت بهم المسلمون، وصمموا على الثأر والانتقام من المسلمين في أقرب فرصة. وكانت في المدينة بطانة لفريقين دخلوا في الإسلام حين لم يبق مجال لعزهم إلا في الإسلام، وهم: عبد الله بن أبي بن سلول وأصحابه، ولم تكن هذه الفرقة الثالثة أقل غيظًا من الأوليين، ولكنهم أسلموا من أجل مصالحهم الخاصة.
روى البخاري في صحيحه من حديث أسامة بن زيد في حديث طويل، وفيه: فلما غزا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدرًا، فقتل الله به صناديد كفار قريش قال ابن أبي بن سلول ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان: هذا أمر قد توجه [2] ، فبايَعوا الرسول -
(1) الرحيق المختوم ص 250.
(2) أي استقر فلا مطمع في إزالته.