فهرس الكتاب

الصفحة 193 من 341

دمك. فقال:"يا بنية، أدنيني وضوءًا"، فتوضأ، ثم دخل عليهم المسجد، فلما رأوه قالوا: ها هو ذا. وخفضوا أبصارهم، وسقطت أذقانهم في صدورهم، وعقروا [1] في مجالسهم، فلم يرفعوا إليه بصرًا، ولم يقم إليه منهم رجل، فأقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى قام على رؤوسهم، فأخذ قبضة من التراب، فقال:"شاهت الوجوه"، ثم حصبهم بها، فما أصاب رجلًا منهم من ذلك الحصى حصاة إلا قتل يوم بدر كافرًا [2] .

قال ابن كثير: وقد قاتل بنفسه الكريمة عليه الصلاة والسلام قتالًا شديدًا ببدنه، وكذلك أبو بكر الصديق، كما كانا في العريش يجاهدان بالدعاء والتضرع، ثم نزلا، فحرضا، وحثا على القتال، وقاتلا بالأبدان جمعًا بين المقامين الشريفين.

روى الإمام أحمد في مسنده من حديث علي قال: لقد رأيتنا يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو أقربنا إلى العدو، وكان من أشد الناس يومئذ بأسًا [3] .

قال ابن إسحاق: ثم تزاحف الناس، ودنا بعضهم من بعض، وقد أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصحابه ألا يحملوا حتى يأمرهم، وقال:"إن اكتنفكم القوم فانضحوهم عنكم بالنبل" [4] ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - في العريش، معه أبو بكر الصديق- رضي الله عنه- [5] .

إن معركة بدر لم تقم من أجل مصالح دنيوية، أو عداوات قبلية، وإنما قامت لإعلاء كلمة

(1) ... عقروا: بفتح العين، كذا ضبط في النهاية لغريب الحديث (3/ 273) ، وقال العقر بفتحتين: أن تسلم الرجل قوائمه من الخوف، وقيل: هو أن يفجأه الروع فيدهش، ولا يستطيع أن يتقدم أو يتأخر.

(2) ... (4/ 486 - 487) برقم (2762) ورجاله ثقات، رجال الصحيح، إلا يحيى بن سليم، وهو الطائفي، قد اختلف فيه الأئمة، فوثقه ابن معين، ومحمد بن سعد، وضعفه أحمد بن حنبل وأبو حاتم، والدارقطني، وقال الحافظ في التقريب ص 591: صدوق سيء الحفظ.

(3) ... (2/ 81) برقم (654) ، وقال محققوه: إسناده صحيح، وأصله في صحيح مسلم من حديث البراء بن عازب، قال: كنا والله إذا احمر البأس نتقي به، وإن الشجاع منا للذي يحاذي به، يعني النبي صلى الله عليه وسلم.

(4) ... سبق تخريجه ص 220.

(5) ... السيرة النبوية (2/ 553) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت