وفي سنن أبي داود من حديث أبي أسيد الساعدي قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر:"إذا أكثبوكم فارموهم بالنبل، ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم" [1] .
قال الحافظ في الفتح: قوله:"فارموهم، واستبقوا نبلكم"، بسكون الموحدة، فعل أمر بالاستبقاء، أي طلب الإبقاء، قال الداودي: معنى قوله:"ارموهم"، أي بالحجارة؛ لأنها لا تكاد تخطئ، إذا رمى بها في الجماعة، قال: ومعنى قوله:"استبقوا نبلكم"أي إلى أن تحصل المصادمة، كذا قال، وقال غيره: المعنى: ارموهم ببعض نبلكم لا بجميعها، والذي يظهر لي أن معنى قوله:"واستبقوا نبلكم"لا يتعلق بقوله:"ارموهم"، وإنما هو كالبيان للمراد بالأمر بتأخير الرمي حتى يقربوا منهم، أي إذا كانوا بعيدًا لا تصيبهم السهام غالبًا، فالمعنى استبقوا نبلكم في الحالة التي إذا رميتم بها لا تصيب غالبًا، وإذا صاروا إلى الحالة التي يمكن فيها الإصابة غالبًا فارموا [2] . اهـ
قال خفاف بن إيماء: فرأيت أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر، وقد تصاف الناس وتزاحفوا، فرأيت أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يسلون السيوف، وقد أنبضوا القسي [3] وقد ترس بعضهم عن بعض بصفوف متقاربة، لا فرج بينها، والآخرون قد سلوا السيوف حين طلعوا. فعجبت من ذلك، فسألت بعد ذلك رجلًا من المهاجرين فقال: أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألا نسل السيوف حتى يغشونا [4] .
كانت المبارزة أول شيء بُدئ فيه من القتال يوم بدر، وجرت العادة أنه لا يخرج للمبارزة إلا الشجعان من الرجال، وهذا ما حصل في بدر.
قال تعالى: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمْ الْحَمِيمُ} [الحج: 19] .
روى البخاري في صحيحه من حديث علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه قال:
(1) ... ص 300 برقم (2664) كتاب الجهاد، باب في سل السيوف عند اللقاء، وفي سنده إسحاق ابن نجيح، وهو مجهول كما قال الحافظ في التقريب ص 103، ترجمة رقم (387) ، ولكن يشهد له ما قبله.
(3) ... أنبض القوس: حرك وترها، القاموس المحيط ص 654.
(4) ... مغازي الواقدي (1/ 67) .