كان من نتائج معركة بدر الحاسمة سقوط عدد كبير من كفار قريش في قبضة المسلمين، يقدر عددهم بسبعين أسيرًا، وقد شاور النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه في الأسرى فأشار عمر بن الخطاب، وسعد بن معاذ بقتلهم، وأشار أبو بكر وغيره، بأخذ الفداء منهم، فمال النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى رأي أبي بكر."إن الوقوع في الأسر لا يعني صدور عفو عام عن الجرائم التي اقترفها الأسرى أيام حريتهم، وهؤلاء الطغمة من كبراء مكة لهم ماض شنيع في إيذاء الله ورسوله، وقد أبطرتهم منازلهم فساقوا عامة أهل مكة إلى حرب ما كان لها من داع، فكيف يتركون بعد أن استمكنت الأيدي من خناقهم، أذلك لأن لهم ثروة يفتدون بها؟"
ما كان يليق أن ينظر المؤمنون إلى هذه الأعراض التافهة متناسين ما فرط من أولئك الكفار في جنب الله، إنهم مجرمو حرب - بالاصطلاح الحديث - لا أسرى حرب، وقد ندد القرآن بخيانتهم لقومهم بعد كفرهم بنعمة الله عليهم، فقال: {أَلَمْ تَرَى إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (28) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (29) } [إبراهيم: 28 - 29] ، وهناك نصوص توصي برعاية الأسرى وإطعامهم وتشرع القوانين الرحيمة في معاملتهم، وهذا ينطبق على جماهير الأسرى من الأتباع، والعامة، أما الذين تاجروا بالحروب لإشباع مطامعهم الخاصة، فيجب استئصال شأفتهم، وذلك هو الإثخان في الأرض. إن الحياة كما تتقدم بالرجال الأخيار، فإنها تتأخر بالعناصر الخبيثة، وإذا كان من حق الشجرة لكي تنمو أن تقلم، فمن حق الحياة لكي تصلح أن تنقى من السفهاء، والعتاة، والآثمين، ولن يقوم عوض أبدًا عن هذا الحق، ولو كان القناطير المقنطرة.
وقد أسمع الله نبيه، وصحابته هذا الدرس، حتى إذا وعوه وتدبروه عفا عنهم، ثم أباح لهم من رحمته بهم الانتفاع بما أخذوه من فداء" [1] . قال تعالى:"
{لَوْلا كِتَابٌ مِنْ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (68) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (69) } [الأنفال: 68 - 69] .
(1) ... فقه السيرة للغزالي ص 236 - 237.