يا معشر قريش البلايا [1] تحمل المنايا، نواضح [2] يثرب تحمل الموت الناقع [3] ، قوم ليس معهم منعة، ولا ملجأ إلا سيوفهم، والله ما أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجلًا منكم، فإذا أصابوا منكم أعدادهم فما خير العيش بعد ذلك؟ فروا رأيكم [4] .
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث علي - رضي الله عنه - الطويل، وفيه: أصابنا من الليل طش، ومطر، فانطلقنا تحت الشجر والحجف نستظل تحتها من المطر، وبات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعو ربه - عز وجل -، ويقول: «اللهم إنك إن تهلك هذه الفئة لا تُعبد» ، قال: فلما طلع الفجر نادى: «الصلاة عباد الله» ، وحرض على القتال، ثم قال: «إن جمع قريش تحت هذه الضلع الحمراء من الجبل» ، فلما دنا القوم منا، وصاففناهم إذا رجل منهم على جمل له أحمر يسير في القوم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «يا علي، ناد لي حمزة» - وكان أقربهم من المشركين-"من صاحب الجمل الأحمر؟ وماذا يقول لهم؟"ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إن يكن في القوم أحد يأمر بخير، فعسى أن يكون صاحب الجمل الأحمر» . فجاء حمزة فقال: هو عتبة بن ربيعة، وهو ينهى عن القتال، ويقول لهم: يا قوم إني أرى قومًا مستميتين لا تصلون إليهم، وفيكم خير يا قوم اعصبوها اليوم برأسي، وقولوا: جبن عتبة بن ربيعة، وقد علمتم أني لست بأجبنكم، قال: فسمع ذلك أبو جهل، فقال: أنت تقول هذا؟ والله لو غيرك يقول هذا لأعته، قد ملأت رئتك وجوفك رعبًا. فقال عتبة: إياي تعير يا مصفر إسته [5] ؟ ستعلم اليوم أينا الجبان؟ [6] .
وفي رواية للبزار من حديث ابن عباس قال: لما نزل المسلمون، وأقبل المشركون، نظر
(1) ... البلايا: وهو جمع بلية، وهي الناقة أو الدابة تربط على قبر الميت فلا تعلف ولا تسقى حتى تموت، وكان بعض العرب ممن يقر بالبعث يقول إن صاحبها يحشر عليها، النهاية في غريب الحديث (1/ 156) .
(2) ... النواضح: الإبل التي يسقى عليها الماء، مختار الصحاح ص 277.
(3) ... الناقع: الدائم، المعجم الوسيط (2/ 948) .
(4) ... سيرة ابن هشام (2/ 212) ، وقد رواه ابن إسحاق عن أبيه، وهو إسحاق بن يسار المدني، ثقة من الثالثة كما قال الحافظ ابن حجر في التقريب ص 103 عن أشياخ من الأنصار، وهم مجهولون.
(5) ... سيأتي شرحها ص 208.
(6) ... (2/ 259 - 260) برقم (948) ، وقال محققوه: إسناده صحيح.