فهرس الكتاب

الصفحة 139 من 341

كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه يتحسسون أخبار أبي سفيان، كان هو كذلك يتحسس أخبارهم، وقد كاد أن يسقط في أيديهم، غير أن فطنته وذكاءه حملاه على أن يغير طريقه، ويسلك بالقافلة طريقًا آخر، وبذلك نجا وما كاد.

قال الواقدي: وأقبل أبو سفيان بالعير، وخافوا خوفًا شديدًا حين دنوا من المدينة، واستبطأوا ضمضمًا والنفير، فلما كانت الليلة التي يصبحون فيها على ماء بدر جعلت العير تقبل بوجهها إلى ماء بدر. وكانوا باتوا من وراء بدر آخر ليلتهم، وهم على أن يُصبِّحوا بدرًا إن لم يعترض لهم، فما أقرتهم العير حتى ضربوها بالعقل [1] ، على أن بعضها ليثنى بعقالين، وتُرجّع الحنين تواردًا إلى ماء بدر، وما بها إلى الماء حاجة، لقد شربت بالأمس، وجعل أهل العير يقولون: إن هذا شيء ما صنعته منذ خرجنا! قالوا: وغشيتنا تلك الليلة ظلمة حتى ما نبصر شيئًا.

وكان بسبس بن عمرو، وعدي بن أبي الزغباء وردا على مَجْديٍّ بدرًا يتحسسان الخبر، فلما نزلا ماء بدر أناخا راحلتيهما إلى قريب من الماء، ثم أخذا أسقيتهما يستقيان من الماء، فسمعا جاريتين من جواري جهينة يقال لإحداهما برزة، وهي تُلزِم صاحبتَها في درهم كان لها عليها، وصاحبتها تقول: إنما العير غدًا أو بعد غد، قد نزلت الرَّوحاء. ومجدي بن عمرو يسمعها فقال: صدقت! فلما سمع ذلك بسبس وعدي انطلقا راجعين إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، حتى لقياه بعرق الظَّبية فأخبراه الخبر.

فأصبح أبو سفيان تلك الليلة ببدر، قد تقدم العير وهو خائف من الرصد، فقال: يا مجدي، هل أحسست أحدًا؟ تعلم والله ما بمكة من قرشي ولا قرشية له نشٌّ فصاعدًا - والنّش نصف أوقية، وزن عشرين درهمًا - إلا وقد بعث به معنا، ولئن كتمتنا شأن عدونا لا يصالحك رجل من قريش ما بلَّ بحرٌ صوفةً. فقال مجدي: والله ما رأيت أحدًا أنكره، ولا بينك وبين يثرب من عدو، ولو كان بينك وبينها عدوٌّ لم يخف علينا، وما كنت لأخفيه عليك، إلا أني قد رأيت راكبين أتيا إلى هذا المكان - فأشار إلى مناخ عدي و بسبس - فأناخا به، ثم استقيا بأسقيتهما، ثم انصرفا. فجاء أبو سفيان مناخهما، فأخذ أبعارًا من بعيريهما ففته، فإذا فيه نوى، فقال: هذه والله علائف يثرب، هذه عيون

(1) ... الحبل الذي يعقل به البعير، النهاية في غريب الحديث (3/ 280) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت