رجوع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة والمواضع التي نزل بها:
تقدم أن الوقعة كانت يوم الجمعة، السابع عشر من رمضان، سنة اثنتين من الهجرة، وثبت في الصحيحين أنه كان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاثة أيام، وكان رحيله منها يوم الإثنين، فركب ناقته، ووقف على قليب بدر، ثم انصرف قافلًا إلى المدينة [1] .
قال ابن إسحاق: ثم أقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قافلًا إلى المدينة، ومعه الأسارى من المشركين، وفيهم عقبة، والنضر بن الحارث، واحتمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معه النفل الذي أصيب من المشركين، وجعل على النفل عبد الله بن كعب بن عمرو بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن بن نجار، فقال راجز من المسلمين، قال ابن هشام: يقال إنه عدي بن أبي الزغباء:
أقم لها صدورها يا بسبس ليس بذي الطلح لها معرس
ولا بصحراء غُميز محبس [2] إن مطايا القوم لا تخيس
فحملها على الطريق أكيس قد نصر الله وفر الأخنس
ثم أقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا خرج من مضيق الصفراء نزل على كثيب بين المضيق وبين النازية، يقال له سير، إلى سرحة به، فقسم هنالك النفل الذي أفاء الله على المسلمين من المشركين على السواء.
ثم ارتحل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا كان بالروحاء، لقيه المسلمون يهنئونه بما فتح الله عليه، ومن معه من المسلمين، فقال لهم سلمة بن سلامة - كما حدثني عاصم بن عمر بن قتادة ويزيد بن روما: ما الذي تهنئوننا به؟ فوالله إن لقينا إلا عجائز صلعًا كالبدن [3] المعقلة فنحرناها، فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم قال:"أي ابن أخي أولئك الملأ" [4] .
قال ابن هشام: الملأ: الأشراف والرؤساء. وقوله عليه الصلاة والسلام لهذا الصحابي
(1) ... انظر: البداية والنهاية لابن كثير (5/ 182) .
(2) ... لا بصحراء غُميز محبس: يروى هنا بالغين والعين، وغميز معجمة هو المشهور فيه، شرح السيرة النبوية ص 162.
(3) ... البدن: الإبل التي تهدى إلى مكة، شرح السيرة النبوية ص 162.
(4) ... سيرة ابن هشام (2/ 236) وقد رواه ابن إسحاق بدون إسناد.