الصفوف المتعاقبة الأخرى من المسلمين بالنبال لتسديدها على المهاجمين من الأعداء، وتبقى الصفوف في مواضعها بسيطرة قائدها، حتى يفقد زخم المهاجمين بالكر والفر شدته، عند ذاك تتقدم الصفوف متعاقبة على العدو، ويظهر من ذلك أن أسلوب الصفوف يمتاز على أسلوب الكر والفر بأن يؤمن الترتيب بالعمق، فتبقى دائمًا بيد القائد قوة احتياطية يعالج بها المواقف التي ليست بالحسبان، كأن يصد هجومًا مقابلًا للعدو، أو يضرب كمينًا لم يتوقعه، أو أن يحمي الأجنحة التي يهددها العدو بفرسانه، أو بمشاته، ثم يستثمر الفوز بالاحتياط من الصفوف الخلفية عند الحاجة.
إن أسلوب الصفوف يؤمن السيطرة على القوة بكاملها، ويؤمن احتياطًا للطوارئ، ويصلح للدفاع والهجوم في وقت واحد.
أما أسلوب الكر والفر فيجعل القائد يفقد السيطرة، ولا يؤمن له أي احتياطي للطوارئ.
إن تطبيق الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأسلوب الصفوف في معركة بدر عامل مهم من عوامل انتصاره على المشركين، ثم قال: لقد سيطر الرسول - صلى الله عليه وسلم - على الصفوف في دفاعها وهجومها ومطاردتها، وبذلك أمن السيطرة والاحتياط اللازم تمامًا، كما في الحرب الحديثة، لقد طبق الرسول - صلى الله عليه وسلم - في بدر أسلوبًا جديدًا فانتصر [1] . اهـ
قال عبد الله بن أبي بكر بن حزم: صف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصحابه قبل أن تنزل قريش، وطلعت قريش ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصفهم، وقد أترعوا حوضًا، يفرطون فيه من السحر، ويقذفون فيه الآنية، ودفع رايته إلى مصعب بن عمير، فتقدم بها إلى موضعها الذي يريد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يضعها فيه. ووقف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينظر إلى الصفوف، فاستقبل المغرب، وجعل الشمس خلفه، وأقبل المشركون فاستقبلوا الشمس، فنزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالعدوة الشامية، ونزلوا بالعدوة اليمانية - عُدوتا النهر والوادي جنبتاه [2] .. الحديث.
(1) ... الرسول القائد ص 78 - 79.
(2) ... مغازي الواقدي (1/ 56) وهو مرسل.