وكان لواء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذ الأعظم: لواء المهاجرين مع مصعب ابن عمير، ولواء الخزرج مع الحباب بن المنذر، ولواء الأوس مع سعد بن معاذ، ومع قريش ثلاثة ألوية: لواء مع أبي عزيز، ولواء مع النضر بن الحارث، ولواء مع طلحة بن أبي طلحة، وخطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذ، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال، وهو يأمرهم ويحثهم، ويرغبهم في الأجر: «أما بعد، فإني أحثكم على ما حثكم الله عليه، وأنهاكم عما نهاكم الله عنه، فإن الله عظيم شأنه، يأمركم بالحق، ويحب الصدق، ويعطي على الخير أهله على منازلهم عنده، به يذكرون وبه يتفاضلون، وإنكم قد أصبحتم بمنزل من منازل الحق، لا يقبل الله فيه من أحد إلا ما ابتغى به وجهه، وإن الصبر في مواطن البأس مما يفرج به الهم، وينجى به من الغم، وتدركون به النجاة في الآخرة، فيكم نبي الله يحذركم ويأمركم، فاستحيوا اليوم أن يطلع الله - عز وجل - على شيء من أمركم يمقتكم عليه، فإن الله يقول: {لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ} [غافر: 10] ، انظروا إلى الذي أمركم به من كتابه، وأراكم من آياته، وعزكم بعد ذلة، فاستمسكوا به يرضى ربكم عنكم، وأبلوا ربكم في هذه المواطن أمرًا تستوجبون الذي وعدكم به من رحمته ومغفرته، فإن وعده حق، وقوله صدق، وعقابه شديد، وإنما أنا وأنتم بالله الحي القيوم، إليه ألجأنا ظهورنا، وبه اعتصمنا، وعليه توكلنا، وإليه المصير، يغفر الله لي وللمسلمين» [1] . ثم خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الناس، فحرضهم على القتال.
روى مسلم في صحيحه من حديث أنس، في حديث طويل، وفيه: فانطلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه حتى سبقوا المشركين إلى بدر، وجاء المشركون فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «لا يقدمن أحد منكم إلى شيء حتى أكون أنا دونه» [2] . فدنا المشركون. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض» قال: يقول عمير بن الحمام الأنصاري: يا رسول الله، جنة عرضها السموات والأرض؟ قال: «نعم» ، قال: بخ بخ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «ما يحملك على قولك بخ بخ؟» قال: لا والله يا رسول الله، إلا رجاءة
(1) ... مغازي الواقدي (1/ 58) وهو مرسل.
(2) ... أي قدامة، متقدمًا في ذلك الشيء لئلا يفوت شيء من المصالح التي لا تعلمونها.