وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى [الأنفال: 17] .
قال ابن عقبة وابن عائذ: فكانت تلك الحصباء عظيم شأنها، لم تترك من المشركين رجلًا إلا ملأت عينيه، وجعل المسلمون يقتلونهم ويأسرونهم، وبادر كل رجل منهم منكبًا على وجهه، لا يدري أين يتوجه، يعالج التراب، ينزعه من عينيه [1] .
وجاء في رواية أن الرمي كان بثلاثة أحجار فقط.
وروى الطبري في تفسيره من حديث قتادة في قوله تعالى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ} ، الآية. ذكر لنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ يوم بدر ثلاثة أحجار، رمى بها وجوه الكفار، فهزموا عند الحجر الثالث [2] .
روى الطبري من حديث حكيم بن حزام قال: لما كان يوم بدر سمعنا صوتًا وقع من السماء، كأنه صوت حصاة وقعت في طست، ورمى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تلك الرمية، فانهزمنا [3] .
قال ابن كثير - رحمه الله - -وهو يرد على من حمل الآية على غير بدر-:"وإلا فسياق الآية في سورة الأنفال في قصة بدر لا محالة، وهذا مما لا يخفى على أئمة العلم" [4] .
وقال في موضع آخر بعدما نقل عن جمع من أهل العلم: إن هذه الآية نزلت في بدر، وقد فعل عليه الصلاة والسلام مثل ذلك في غزوة حنين، كما سيأتي في موضعه [5] .اهـ
وقد رمى النبي - صلى الله عليه وسلم - في مكة بعض المشركين بالتراب، فقتلوا كفارًا ببدر.
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: إن الملأ من قريش اجتمعوا في الحجر فتعاقدوا باللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى ونائلة وإساف، لو قد رأينا محمدًا لقد قمنا إليه قيام رجل واحد حتى نقتله، فأقبلت ابنته فاطمة تبكي، حتى دخلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: هؤلاء الملأ من قريش قد تعاقدوا عليك لو قد رأوك لقاموا إليك فقتلوك، فليس منهم رجل إلا قد عرف نصيبه من
(1) ... سبق تخريجه ص 42.
(2) ... (6/ 203) ، وسنده صحيح، لكنه مرسل.
(3) ... المصدر السابق (6/ 203) ، وفي سنده عبد العزيز بن عمران الزهري، وهو ضعيف.
(4) ... تفسير ابن كثير (2/ 296) .
(5) ... البداية والنهاية (5/ 127) .