بنصره، وصارت لهم دار إسلام، ومعقلًا يلجؤون إليه، شرع الله جهاد الأعداء، فكانت هذه الآية أول ما نزل في ذلك" [1] ، فقال تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) } [الحج: 39 - 40] ."
عن سعيد بن جبير عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: لما أخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - من مكة، قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم، إنا لله وإنا إليه راجعون، ليهلكن، قال ابن عباس: فأنزل الله: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا} ، قال أبو بكر: فعرفت أنه سيكون قتال. قال ابن عباس: وهي أول آية نزلت في القتال [2] .
قال ابن القيم - رحمه الله:"فلما استقر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة، وأيده الله بنصره بعباده المؤمنين الأنصار، وألَّف بين قلوبهم بعد العداوة والإحن التي كانت بينهم، فمنعته أنصار الله وكتيبة الإسلام من الأَسود والأحمر، وبذلوا نفوسهم دونه، وقدموا محبته على محبة الآباء والأبناء والأزواج، وكان أولى بهم من أنفسهم، رمتهم العرب واليهود عن قوس واحدة، وشمروا لهم عن ساق العداوة والمحاربة، وصاحوا بهم من كل جانب، والله سبحانه يأمرهم بالصبر، والعفو والصفح، حتى قويت الشوكة، واشتد الجناح، فأُذن لهم حينئذ في القتال، ولم يفرضه عليهم، فقال تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} [الحج: 36] [3] ."
(1) ... تفسير ابن كثير 3/ 225.
(2) ... مسند الإمام أحمد 1/ 216، قال الحافظ الدارقطني في كتابه العلل 1/ 214: هو حديث يرويه الثوري عن الأعمش عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، واختلف عنه، فوصله إسحاق الأزرق، ووكيع من رواية ابنه سفيان عنه، والأشجعي عن الثوري، وأرسله غيرهم فلم يذكر ابن عباس، ورواه الفريابي عن قيس بن الربيع عن الأعمش متصلًا، وقيل عن الفريابي عن الثوري ولا يصح، والمحفوظ عنه عن قيس. اهـ
ورجح الشيخ مقبل الوادعي في كتابه الصحيح المسند من أسباب النزول ص 139 - 140 أن الحديث مرسل، لكن يشهد له ما أخرجه النسائي في السنن الكبرى (6/ 411) برقم (11346) من حديث الزهري أنه قال: أول آية نزلت في القتال، كما أخبرني عروة عن عائشة: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} . قال ابن حجر في الفتح 7/ 280: إسناده صحيح.
(3) ... زاد المعاد (3/ 69 - 70) .