العلم والتحقيق، ومن تأمل سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وسيرة أصحابه رضي الله عنهم في جهاد المشركين، اتضح له ما ذكرنا، وعرف مطابقة ذلك لما سلف من الآيات والأحاديث" [1] ."
ثالثًا: حكم الجهاد ومراتبه وفضله:
والجهاد فرض كفاية إذا قام به من يكفي من المسلمين سقط الإثم عن الباقين، قال تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122] .
ويكون الجهاد فرض عين في أحوال، منها:
إذا حضر المسلم المكلف القتال، والتقى الزحفان، وتقابل الصفان، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الأنفال: 45] .
وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمْ الأَدْبَارَ (15) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (16) } [الأنفال: 15 - 16] .
وذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن التولي يوم الزحف من السبع الموبقات [2] ومنها إذا احتل العدو بلدًا من بلدان المسلمين، تعيَّن على أهل هذا البلد قتاله وإخراجه منها، ويجب على المسلمين أن ينصروا ذلك البلد إذا عجز أهله عن إخراج العدو.
ويبدأ الوجوب بالأقرب فالأقرب، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنْ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [التوبة: 123] .
ومنها أن يستنفر الإمام المسلم العادل المسلمين للجهاد في سبيل الله [3] . قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ
(1) ... انظر: فضل الجهاد والمجاهدين ص 26 - 27.
(2) ... أخرجه البخاري في صحيحه، ص 533، برقم (2766) ، كتاب الوصايا، باب قول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ .... } ، ومسلم في صحيحه ص 63 برقم (89) ، كتاب الإيمان، باب تحريم الكبر وبيانه.
(3) ... انظر: المغني لابن قدامة (13/ 8) .