أخبية العسكر إلا أصابه من دمها، فكان هذا بيّنًا. ثم هممت بالرجوع، ثم أذكر ابن الحنظلية وشؤمه، فيردني حتى مضيت لوجهي.
فكان حكيم يقول: لقد رأيتنا حين بلغنا الثنية البيضاء - والثنية البيضاء التي تهبطك على فخ وأنت مقبل من المدينة - إذا عدّاس جالس عليها والناس يمرون، إذ مر عليه ابنا ربيعة، فوثب إليهما فأخذ بأرجلهما في غرْزهما، وهو يقول: بأبي وأمي أنتما، واللهِ إنه رسول الله، وما تساقان إلا إلى مصارعكما! وإن عينيه لتسيل دموعهما على خديه، فأردت أن أرجع أيضًا، ثم مضيت، ومر به العاص بن منبه بن الحجاج، فوقف عليه حين ولى عتبة وشيبة، فقال: ما يبكيك؟ فقال: يبكيني سيداي وسيدا أهل الوادي، يخرجان إلى مصارعهما، ويقاتلان رسول الله، فقال العاص: وإن محمدًا لرسول الله؟ قال: فانتفض عداس انتفاضة، واقشعر جلده، ثم بكى وقال: إي والله، إنه لرسول الله إلى الناس كافة. قال: فأسلم العاص بن منبه، ثم مضى وهو على الشك حتى قتل مع المشركين على شك وارتياب.
وخرجت قريش سراعًا، وخرجوا بالقيان والدفاف: سارة مولاة عمرو ابن هاشم بن المطلب، وعزة مولاة الأسود بن المطلب، ومولاة أمية بن خلف، يغنّين في كل منهل، وينحرون الجزر. وخرجوا بالجيش يتقاذفون بالحراب، وخرجوا بتسعمائة وخمسين مقاتلًا، وقادوا مائة فرس بطرًا ورئاء الناس، كما ذكر الله تعالى: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ} [الأنفال: 47] إلى آخر الآية. وأبو جهل يقول: أيظن محمد أن يصيب منا ما أصاب بنخلة وأصحابه؟ سيعلم أنمنع عيرنا أم لا! وكانت الخيل لأهل القوة منهم، وكان في بني مخزوم منها ثلاثون فرسًا، وكانت الإبل سبعمائة بعير، وكان أهل الخيل كلهم دارع، وكانوا مائة، وكان في الرجالة دروع سوى ذلك.
فلما أفلت أبو سفيان بالعير، ورأى أن قد أجزرها، أرسل إلى قريش قيس ابن امرئ القيس، وكان مع أصحاب العير، خرج معهم من مكة، فأرسله أبو سفيان يأمرهم بالرجوع، ويقول: قد نجت عيركم، فلا تجزروا [1] أنفسكم أهل يثرب، فلا حاجة لكم
(1) ... ويقال أجزرتك شاة إذا دفعت إليك شاة تذبحها. مقاييس اللغة (1/ 456) والمعنى هنا: لا تجعلوا أنفسكم ذبائح.