فهرس الكتاب

الصفحة 182 من 341

الأولى: من طريق ابن عباس قال النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر:"اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن شئت لم تُعبد"، فأخذ أبوبكر بيده، فقال: حسبك، فخرج وهو يقول: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} [1] .

والثانية: فيها زيادة كلمة"لم تعبد بعد اليوم أبدًا"، وزيادة بعد كلمة حسبك،"يا رسول الله، فقد ألححت على ربك" [2] .

قال السهيلي: وفي هذا الحديث من المعاني أن يقال: كيف جعل أبو بكر يأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالكف عن الاجتهاد في الدعاء، ويقوي رجاءه ويثبته، ومقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو المقام الأحمد، ويقينه فوق يقين كل أحد، فسمعت شيخنا الحافظ [3] - رحمه الله -يقول في هذا: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مقام الخوف، وكان صاحبه في مقام الرجاء، وكلا المقامين سواء في الفضل، لا يريد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - والصديق سواء، ولكن الرجاء والخوف مقامان لابد للإيمان منهما، فأبو بكر كان في تلك الساعة في مقام الرجاء لله، والنبي - عليه السلام - كان في مقام الخوف من الله، لأن لله أن يفعل ما شاء، فخاف أن لا يعبد في الأرض بعدها، فخوفه ذلك عبادة، وأما قاسم بن ثابت فذهب في معنى الحديث إلى غير هذا، وقال: إنما فعل ذلك الصديق مأْويَّةً للنبي - صلى الله عليه وسلم - ورقة عليه، لما رأى من نصبه في الدعاء والتضرع حتى سقط الرداء عن منكبيه، فقال له:"بعض هذا يا رسول الله"، أي لِم تتعب نفسك هذا التعب، والله قد وعدك بالنصر، وكان رقيق القلب شديد الإشفاق على النبي - صلى الله عليه وسلم - [4] .

روى الطبراني من حديث ابن مسعود قال: ما سمعنا مناشدًا أنشد حقًا له، أشد مناشدة من محمد - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر، جعل يقول:"اللهم إني أنشدك ما وعدتني، اللهم إنك إن تهلك هذه العصابة لا تُعبد"ثم التفت كأن وجهه القمر، فقال:"كأنما أنظر"

(1) ... ص 752 برقم (3954) كتاب المغازي، باب قول الله تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ} .

(2) ... ص 957 برقم (4877) كتاب التفسير باب قوله: {بَلْ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ} [القمر: 46] .

(3) ... يعني القاضي أبابكر [ابن] العربي.

(4) ... الروض الأنف (5/ 129 - 130) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت