فهرس الكتاب

الصفحة 206 من 341

فرعون: {يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا} [غافر: 36 - 37] . ولم يقلها أبو جهل.

والأغرب في فرعون الأمة إيمانه بالله كما يدعي، فها هو يستفتح يوم بدر:"اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا يعرف، فأحنه الغداة، وهو الذي قال لإيماء بن رحضة الغفاري بعد أن أهداه بعض جزائر الإبل، وعرض عليه أن يمده بالسلاح والرجال، فقال له أبو جهل:"أن وصلتك رحم، وقد قضيت الذي عليك، فلعمري لئن كنا إنما نقاتل الناس فما بنا من ضعف عنهم، ولئن كنا إنما نقاتل الله كما يزعم محمد فما لأحد بالله من طاقة" [1] ."

فأبو جهل فرعون هذه الأمة ليس جاحدًا بالله، وليس ملحدًا، وليس مدعيًا الألوهية، بل هو يستغيث بالله رب السماوات والأرض له، حين يطلب العون، وهو يعرف بأن الله تعالى رب السماوات والأرض له من القدرة ما لا طاقة للبشر بحربه، ومع ذلك كله لم يجعله هذا الأمر يقرب خطوة واحدة من الإيمان، أو يحسب في عداد المؤمنين، كما يريد اليوم المائعون أن يفعلوا في معسكر الإيمان ضد معسكر الإلحاد، ويستحيون من ذكر الإسلام حتى لا يتهموا بالتعصب، ويضعون تحت لواء الإيمان كل كفرة الأرض، من أهل الكتاب والمجوس والبوذيين، ضد الإلحاد التي تقوده الشيوعية، وبهذا المقياس، وتحت هذا اللواء، يدخل أبو جهل على رأس المؤمنين بالله، وهو بالمفهوم الإسلامي فرعون هذه الأمة، ورأس أئمة الكفر.

ولعل هذه السمة هي سمة طواغيت هذه الأمة وفراعينها، فهم لا يجاهرون بالإلحاد، ولا يجاهرون بالجحود والكفر، لكنهم يصلون المؤمنين والمجاهدين نار العذاب والإيذاء والاستئصال، ويحاولون دفن الوجود الإسلامي في الأرض، ويحاربون تحكيم شريعة الله في الوجود، لكنهم يطلقون معسول الكلام عن الإسلام ومثاليته، وعن إيمانهم به، وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به.

إنما يبدو عناد فرعون هذه الأمة إذا قورن بفرعون موسى من خلال المصير النهائي لكليهما، فعندما رأى فرعون موسى أنه لا مفر من الغرق، وفي اللحظة الأخيرة من حياته تراجع عن جحوده وإلحاده، وقال: {آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ} [يونس: 90] . بينما رأينا أبا جهل وهو في الرمق الأخير يصر على

(1) ... سيرة ابن هشام (2/ 261) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت