أدرع جئت بها أهلي، كانت عندنا بعد، فزعم لي رجل من قريش - ورأى درعًا منها عندنا فعرفها- فقال: هذه درع الحارث بن هشام.
وقال أبو عمرو بن أمية: أخبرني من انكشف يومئذ منهزمًا، وإنه ليقول في نفسه: ما رأيت مثل هذا الأمر، فر منه إلا النساء!
وكان قباث بن أشيم الكناني يقول: شهدت مع المشركين بدرًا، وإني لأنظر إلى قلة أصحاب محمد في عيني، وكثرة ما معنا من الخيل والرجال، فانهزمت فيمن انهزم، فلقد رأيتني وإني لأنظر إلى المشركين في كل وجه، وإني لأقول في نفسي: ما رأيت مثل هذا الأمر، فر منه إلا النساء! وصاحبني رجل، فبينا هو يسير معي إذ لحقنا من خلفنا، فقلت لصاحبي: أبك نهوض؟ قال: لا والله، ما هو بي. قال: وعقر، وترفعت [1] ، فلقد صبّحتُ غيْقة [2] - عن يسار السقيا بينها وبين الفُرع [3] ليلة، والمدينة ثمانية بُرُد - قبل الشمس، كنت هاديًا بالطريق ولم أسلك المحاج، وخفت من الطلب فتنكبت عنها، فلقيني رجل من قومي بغيقة فقال: ما وراءك؟ قلت: لا شيء! قتلنا وأسرنا وانهزمنا، فهل عندك من حملان؟ فقال: فحملني على بعير، وزودني زادًا حتى لقيت الطريق بالجحفة، ثم مضيت حتى دخلت مكة، وإني لأنظر إلى الحيسمان ابن حابس الخزاعي بالغميم [4] ، فعرفت أنه يقدم ينعى قريشًا بمكة، فلو أردت أن أسبقه لسبقته، فتنكبت عنه حتى سبقني ببعض النهار، فقدمت وقد انتهى إلى مكة خبر قتلاهم، وهم يلعنون الخزاعي، ويقولون: ما جاءنا بخير! [5] .
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عبادة بن الصامت قال: خرجنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فشهدت معه بدرًا، فالتقى الناس، فهزم الله العدو، فانطلقت طائفة في
(1) ... ترفعت: من رفع البعير في السير، أي بالغ، الصحاح، ص 1221.
(2) ... غَيْقة: بالفتح ثم السكون ثم قاف وهاء، موضع بساحل البحر قرب الجار، يصب فيها وادي ينبع ورضوى قاله عزام، وفاء الوفا (4/ 1279) .
(3) ... الفُرع: بضم أوله وسكون ثانيه ثم عين مهملة، قال المجد: الفرع من يسار السقيا على ثمانية برد من المدينة، وبها منبر، ونخل، ومياه كثيرة، وهي قرية غناء كبيرة، وأجل عيونها عينان غزيرتان إحداهما الربض، والأخرى النجف، يسقيان عشرين ألف نخلة، وهي كالكوزة فيها عدة قرى، وفاء الوفا (4/ 1282) .
(4) ... الغميم: بالفتح موضع بين رابغ والجحفة، وفاء الوفاء (4/ 1279) .
(5) ... انظر: مغازي الواقدي (1/ 97) .