فهرس الكتاب

الصفحة 260 من 341

هناك بعضًا من النساء كن يبكين على آبائهن من الشهداء.

روى البخاري في صحيحه من حديث الربيع بنت معوذ قالت: دخل علي النبي - صلى الله عليه وسلم - غداة بُني عليّ فجلس على فراشي كمجلسك مني، وجويريات يضربن بالدف يندبن من قتل من آبائهن يوم بدر حتى قالت جارية: وفينا نبي يعلم مافي غد، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"لا تقولي هكذا، وقولي ماكنت تقولين" [1] .

وهذا الحديث يدل على حرصه عليه الصلاة والسلام على حفظ جناب التوحيد، والنهي عن رفعه فوق منزلته.

أما قريش فإنها عندما تهيأت للحرب كانت تظن أن هذه نهاية محمد، وأصحابه، وأرادت أن تفخر بذلك أمام العرب قال تعالى: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [الأنفال: 47] , وإذا بها تتلقى الهزيمة والخزي على أيدي المسلمين، تلقت مكة النبأ وهي لا تكاد تصدق لأنه فوق ما كانت تتصور، وتعتقد، فقد قتل الأشياخ والقادة، وأسر الرجال، وأخذت الأموال، وكما استبعد أهل مكة الهزيمة على أنفسهم حتى جوبهوا بعارها، استبعد مشركو المدينة، ويهودها ما قرع آذانهم من بشريات الفوز، وذهب بعضهم إلى حد اتهام المسلمين بأن ما يذاع عن نصرهم محض اختلاق، وظلوا يكابرون حتى رأوا الأسرى مقرنين في الأصفاد فسُقط في أيديهم.

وقد اختلفت مسالك الأحزاب الكافرة بإزاء المسلمين بعد هذا الغلب الذي مكن للإسلام وأهله، وجعل سلطانهم مهيبًا في المدينة وما حولها، ومد نفوذهم على طريق القوافل في شمال الجزيرة، فأصبح لا يمر بها أحد إلا بإذنهم، فأما أهل مكة فقد انطووا على أنفسهم يداوون جراحهم، ويستعيدون قواهم، ويستعدون لنيل ثأرهم، ويعلنون أن يوم الانتقام قريب، ولم تزدهم الهزيمة إلا كرها للإسلام، ونقمة على محمد وصحبه، واضطهادا لمن يدخل في دينه، فكان من ينشرح صدره للإسلام يختفي به، أو يعيش ذليلًا مستضعفًا، ذلك في مكة، حيث كانت الدولة للكفر، أما في المدينة حيث المسلمين كثرة مكينة ظاهرة، فقد اتخذت العداوة للإسلام طريقة الدس والنفاق والمخاتلة، فأسلم فريق من المشركين واليهود ظاهرًا، وقلوبهم تغلي حقدًا وكفرًا، وعلى رأس هؤلاء عبد الله بن

(1) ... ص 759 برقم (4001) كتاب المغازي، باب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت