ومن دواعي التناقض أن الخضوع إلى طرف خارجي أقوى، كان أكثر اعتدالا من حكم الخصم العرفي الكريه الذي يحتل الأرض ذاتها، لهذا السبب كانت البوسنة أقل عنفا تحت حكم النمساويين والأتراك، أو الحكم الشيوعي، منها عندما طلب من مجموعاتها العرقية أن تقيم دولة عرفية متعددة الأعراق، وهذا ما كان ينطبق على قبرص تحت الحكم البريطاني
بالنسبة لجيرالد فورد كان هذا يعني، منذ الأيام الأولى لرئاسته، أنه وجد نفسه منغمسا في أزمة لا تتوفر لها نقاط إرشاد في التجربة الأمريكية. والحق أن ما يجعل النزاعات العرقية صعبة جدا بالنسبة إلى الأمريكيين أن التعامل معها يكرس المبادئ الأمريكية التي تصطدم معها حتماء
إن مفهوم حكم الأكثرية لا معنى له عموما إلا إذا كانت هناك فرصة للأقلية أن تصبح أكثرية أو عندما تكون التقاليد القانونية من القوة بحيث تحصل الطلبات المقدمة إلى المحاكم على فرصة تغيير الحكام الفضائية، وكلا الشرطين لم يكن متوفرا في قبرص، لم تكن الأقلية التركية تحمي نفسها من خلال المطالب الدستورية في المحاكم، بل بالتمترس في مناطق محصنة، ومع عدم وجود نظام سائد من القيم المشتركة، فإن تقرير المصير وصل إلى حد الانفصال، وسيطرة حكم الأكثرية بعد عشرين سنة أصبحت المعادلة نفسها سارية في البوسنة
كان موقع قبرص الجغرافي بين أوروبا والشرق الأوسط فد أعطاها هذه الأهمية الاستراتيجية ومزيجها العرفي، ثمانية قرون من حكم الإغريق منذ أيام البيزنطيين، قد أغنى الأغلبية اليونانية التي باتت تشكل 80 % من السكان، ثلاث مئة سنة من الحكم العثماني ابتداء من عام 1971، معززة بالقرب الجغرافي، قد ركزت الأقلية التركية في الجزء الشمالي من الجزيرة القريب من تركيا (انظر الخريطة) . وفي عام 1878 أهدي مؤتمر برلين قبرص كمكافأة لبريطانيا تعويضا عما كسبه الروسي في البلقان وكطريقة لتعزيز قدرة بريطانيا على حماية منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط من التعديات الروسية
طالما كانت هنالك سيطرة أجنبية على قبرص فقد ظلت العداوات العرفية في الجزيرة هادئة، ولكن ما إن وصلت المطالبة بإزالة الاستعمار في أواسط القرن العشرين مداها، أصبع النزاع المدني حتميا. وتحولت مبادئ الأكثرية وتقرير المصير إلى مبادئ لا تقبل المناقشة. طوال قرون كان اليونان والأترال يتبادلون العداوة التي كانت تدفعهم أحيانا إلى ارتكاب مذابح وفظائع أخرى. وكانت كل مجموعة عرقية تقدم الدليل المقنع عن سبب عدم ثقنها في حسن نية الطرف الآخر.
حسابات الحرب الباردة الخاصة بالردع والانفراج لم تطبق على فيرم، كما لم تهتم الأحزاب القبرصية كثيرا بالاف الدولي - إلا ربما من أجل المساومة، وخشية أن يضعف الجناح الشرقي الاستراتيجي للتحالف الأطلسي حاولت الولايات المتحدة أن تحقق العدالة لكلا الطرفين، اللذين كان يتميز سلوكهما بالإزدراء نحو الآخر.