سرعة وحجم الاتصالات الحديثة سوف تجعل من الصعوبة بمكان بالنسبة لمؤرخي المستقبل أن يستخلصوا حسابا دقيقا للعلاقات الدولية المعاصرة. حتى وصول الآلة الكاتبة وألة التسع، كان سحب الوثائق عملية شاقة تقتصر على الأوراق الرسمية ذات الأهمية الخاصة، وحتى وصول التبلغراف كانت الأتصالات بطيئة جدا بالنسبة للتوجيهات التاكتيكية المتصلة، والتعليمات الضرورية للدبلوماسين كانت تتعلق بالمفاهيم، والمكاتب الخارجية حتى بالنسبة للدول الكبرى لم تكن تستطيع أن تفعل أكثر من نقل الأهداف العامة والتقارير الاستراتيجية، أما التاكتيكات المناسبة فكانت ترتجل اعتباطا والتقارير الدبلوماسية بدورها كانت تستوعب بصورة عامة، كانت تحتاج إلى شرح العلاقة ما بين ما حدث و الاستراتيجية التي ينبغي أن تبلغ - وان كان نادرا - وكان يطلب من الدبلوماسي تظهر الاستراتيجية أحيانا، وفي كل حالة كانت الوثائق الدبلوماسية تحليلية إلى حد بعيد.
أحدث التقنية ثورة في إدارة الدبلوماسية ومحتواها معا، فتحضير وثيفة، ونسخها وتوزيعها بات يتم الأن في بضع دقائق بلمسة زر. وتضخمت البيروقراطية كثيرا لتحتل جانبا كبيرا ربما الأغلبية - من الوثائق الإدارية أو التي تتعلق بالنزاعات الداخلية. وهي لم تعد تصور الأهداف الجيوسياسية أو الاستراتيجية على أنها معارك سباق بيروقراطي
ومؤرخو المستقبل سيواجهون دوما خطر الاضطراب لاتجاه وفرة الوثائق فحسب، بل أيضا تجاه طبيعتها وخصائصها، التعليمات المفصلة باتت تنتقل بسهولة وسرعة بالقتين بحيث إن الرئيس أو وزير الخارجية بانا يفضلان تركيز اتصالاتهما على جوهر الدبلوماسية اليومية بدلا من أغراضها. ويطلع الدبلوماسيون في الغالب على ما ينبغي قوله أكثر مما يطلعون لماذا ينبغي قول ذلك، وتخضع التاكنهات والسياسات الداخلية لاستراتيجية، وهي مقتصرة على عقول قلة من صانعي السياسة. وتحول التاريخ إلى حساب لما هو فوري وحساس، مجرد من المنظور التاريخي أو الرؤية بعيدة المدى