لِأَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّ فَلَانًا فَأَحِبُّوهُ قَالَ: فَيُحِبَّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، وَيُوضَعُ لَهُ الْقُبُولُ فِي الْأَرْضِ، وَإِذَا أَبْغَضَ فَمِثْلُ ذَلِكَ" [1] "
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"إِذَا أَحَبَّ اللهُ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَقَالَ: إِنِّي أَحْبَبْتُ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ ثُمَّ يُنَادِي جِبْرِيلُ أَهْلَ السَّمَاءِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَيُحِبُّوهُ، ثُمَّ يَضَعُ لَهُ الْقَبُولَ فِي الْأَرْضِ، وَفِي الْبُغْضِ مِثْلُ ذَلِكَ" [2]
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"إِنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا نَادَى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَنَا أُحِبُّ عَبْدِي فُلَانًا، فَيُنَوِّهِ جِبْرِيلُ فِي حَمَلَةِ الْعَرْشِ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ الْعَرْشِ، فَيَسْمَعُهُ أَهْلُ السَّمَاءِ تَحْتَ الْعَرْشِ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، ثُمَّ يَنْزِلُ سَمَاءً سَمَاءً حَتَّى يَنْزِلَ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، ثُمَّ يَهْبِطُ إِلَى الْأَرْضِ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ الْأَرْضِ، وَالْبُغْضُ مِثْلُ ذَلِكَ" [3]
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا نَادَى جِبْرِيلَ: إِنِّي قَدْ أَحْبَبْتُ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ"،قَالَ:"فَيُنَادِي فِي السَّمَاءِ، ثُمَّ تَنْزِلُ لَهُ المَحَبَّةُ فِي أَهْلِ الأَرْضِ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} [مريم:96] ،وَإِذَا أَبْغَضَ اللَّهُ عَبْدًا نَادَى جِبْرِيلَ: إِنِّي قَدْ أَبْغَضْتُ فُلَانًا، فَيُنَادِي فِي السَّمَاءِ ثُمَّ تَنْزِلُ لَهُ البَغْضَاءُ فِي الأَرْضِ" [4]
(1) - الزهد الكبير للبيهقي (ص: 301) (804) صحيح
(2) - السنن الكبرى للنسائي (7/ 159) (7700) صحيح
(3) - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (3/ 258) صحيح
(4) - سنن الترمذي ت شاكر (5/ 318) (3161) صحيح
قال الطحاوي:"بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي أَسْبَابِ الْمَحَبَّةِ , وَأَسْبَابِ الْبِغْضَةِ , فِي قُلُوبِ النَّاسِ"
وبعد أن ذكر هذه الأحاديث قال: هَذِهِ الْآثَارُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَحَبَّةَ وَالْبِغْضَةَ اللَّتَيْنِ تَقَعَانِ فِي قُلُوبِ النَّاسِ لَا اكْتِسَابَ لَهُمْ فِيهَا , وَأَنَّهُمَا يَكُونَانِ فِي قُلُوبِهِمْ بِغَيْرِ اخْتِيَارٍ مِنْهُمْ لِذَلِكَ , وَبِمَا لَا يَسْتَطِيعُونَ دَفْعَهُ عَنْهَا , فَهُوَ كَمَا تُحَدِّثُهُمْ بِهِ أَنْفُسُهُمْ مِمَّا لَا يَسْتَطِيعُونَ إِخْرَاجَهُ مِنْهَا , وَذَلِكَ مِمَّا لَا حَمْدَ لَهُمْ عَلَى مَحْمُودِهِ , وَلَا ذَمَّ عَلَيْهِمْ فِي مَذْمُومِهِ , وَأَنْتُمْ قَدْ رُوِّيتُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ. فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ , أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"إِنَّ رَجُلًا زَارَ أَخًا لَهُ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى , فَأَرْصَدَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى مَدْرَجَتِهِ مَلَكًا , فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهِ قَالَ لَهُ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: أَزُورُ أَخًا لِي فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ قَالَ: هَلْ لَهُ عَلَيْكَ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا؟ قَالَ: لَا , أَحْبَبْتُهُ فِي اللهِ عَزَّ وَجَلَّ , قَالَ: فَإِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكَ: إِنَّ اللهَ قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهُ"
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ , عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَجِدَ طَعْمَ الْإِيمَانِ , فَلْيُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا للَّهِ عَزَّ وَجَلَّ"
قَالَ: فَهَذَا قَدْ يُحْمَدُ عَلَيْهِ , وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِاكْتِسَابِهِ إِيَّاهُ , وَالَّذِي فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ مِنْ هَذَا الْبَابِ يَنْفِي أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي ذَلِكَ اكْتِسَابٌ , فَهَذَانِ مَعْنَيَانِ مُتَضَادَّانِ , فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ: أَنَّ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ لَيْسَ كَمَا ظَنَّهُ , وَأَنَّهُ لَا تَضَادَّ فِي شَيْءٍ مِمَّا قَالَهُ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -؛ لِأَنَّ مَا قَالَهُ , فَإِنَّمَا هُوَ وَحْي يُوحَى , قَدْ تَوَلَّاهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ , وَلَكِنَّ مَعْنَى الْأَحَادِيثِ الْأُوَلِ , وَاللهُ أَعْلَمُ , أَنَّ الْمَحَبَّةَ الْمَذْكُورَةَ فِيهَا مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ لِمَنْ يُحِبُّهُ مِنْ عِبَادِهِ يَكُونُ بَعْدَمَا قَدْ كَانَ مِنْهُمْ مَا أَحَبَّهُمْ عَلَيْهِ , كَمَا قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبَعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [آل عمران: 31] , فَكَانَتْ مَحَبَّتُهُ عَزَّ وَجَلَّ إِيَّاهُمْ بِاتِّبَاعِهِمْ رَسُولَهُ - صلى الله عليه وسلم - , وَذَلِكَ مِمَّا قَدْ يَكُونُ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ وَفَاتِهِ , فَإِذَا اتَّبَعُوهُ صَارُوا لِرَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ أَوْلِيَاءَ , فَأَلْقَى فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ مَحَبَّتَهُمْ , فَيُحِبُّونَهُمْ بِاخْتِيَارِهِمْ , فَيُثَبِّتُهُمْ عَلَى ذَلِكَ , كَمِثْلِ مَا يُلْقِي فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ , كَمَا قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَنِعْمَةً} [الحجرات: 8] , فَأَخْبَرَ عَزَّ وَجَلَّ بِمَا تَفَضَّلَ بِهِ فِي ذَلِكَ عَلَيْهِمْ مِمَّا أَلْقَاهُ فِي قُلُوبِهِمْ حَتَّى يَكُونَ مِنْهُمْ مَا يَحْمَدُهُمْ عَلَيْهِ , فَيَأْجُرَهُمْ وَيُثَبِّتَهُمْ عَلَيْهِ , فَمِثْلُ ذَلِكَ الْمَحَبَّةُ لِأَوْلِيَاءِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ بِتَحْبِيبِهِ إِيَّاهُمْ إِلَى مَنْ يُحَبِّبْهُمْ إِلَيْهِ مِنْ عِبَادِهِ , فَيُحِبُّونَهُمْ بِاخْتِيَارِهِمْ , وَبِاكْتِسَابِ مَحَبَّتِهِمْ , فَيَأْجُرُهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَيُثَبِّتُهُمْ عَلَيْهِ , وَكَذَلِكَ أَيْضًا مَنْ أَبْغَضَهُ مِنْ عِبَادِهِ , بِخُرُوجِهِ عَنْ رَسُولِهِ , وَلِعُنُودِهِ عَنْ أَمْرِهِ يُبْغِضُهُ عَزَّ وَجَلَّ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ صَارَ لَهُ عَدُوًّا , فَيُوقِعُ فِي قُلُوبِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ بُغْضَهُ , فَيُبْغِضُونَهُ بِاكْتِسَابِهِمْ لِذَلِكَ , فَيُؤْجَرُونَ عَلَى بُغْضِهِمْ إِيَّاهُ , وَيُثَابُونَ عَلَى ذَلِكَ , فَقَدْ بَانَ بِحَمْدِ اللهِ وَنِعْمَتِهِ جَمِيعُ مَا رُوِّينَاهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي هَذَا الْبَابِ , أَنَّهُ لَا تَضَادَّ فِيهِ , وَلَا مُخَالَفَةَ لِبَعْضِهِ بَعْضًا , وَاللهَ عَزَّ وَجَلَّ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ."شرح مشكل الآثار (9/ 402) (3788 - 3796) "