لِلْمُذْنِبِ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي، وَقَالَ لِلْآخَرِ: أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تَحْظُرَ عَلَى عَبْدِي رَحْمَتِي؟ قَالَ: لَا يَا رَبِّ، قَالَ: اذْهَبُوا بِهِ إِلَى النَّارِ"،قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَوْبَقَتْ دُنْيَاهُ وَآخِرَتَهُ" [1]
وعن ضَمْضَمَ بْنِ جَوْسٍ، قَالَ: دَخَلْتُ مَسْجِدَ الرَّسُولِ - صلى الله عليه وسلم -،فَإِذَا أَنَا بِشَيْخٍ مُصَفِّرٍ رَأْسَهُ، بَرَّاقِ الثَّنَايَا، مَعَهُ رَجُلٌ أَدْعَجُ، جَمِيلُ الْوَجْهِ، شَابٌّ، فَقَالَ الشَّيْخُ: يَا يَمَامِيُّ تَعَالَ، لَا تَقُولَنَّ لِرَجُلٍ أَبَدًا: لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ، وَاللَّهِ لَا يُدْخِلُكَ اللَّهُ الْجَنَّةَ أَبَدًا، قُلْتُ: وَمَنْ أَنْتَ؟ يَرْحَمُكَ اللَّهُ قَالَ: أَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، قُلْتُ: إِنَّ هَذِهِ لَكَلِمَةٌ يَقُولُهَا أَحَدُنَا لِبَعْضِ أَهْلِهِ أَوْ لِخَادِمِهِ إِذَا غَضِبَ عَلَيْهَا، قَالَ: فَلَا تَقُلْهَا، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ:"كَانَ رَجُلَانِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُتَوَاخِيَيْنِ، أَحَدُهُمَا مُجْتَهِدٌ فِي الْعِبَادَةِ، وَالْآخَرُ مُذْنِبٌ، فَأَبْصَرَ الْمُجْتَهِدُ الْمُذْنِبَ عَلَى ذَنْبٍ، فَقَالَ لَهُ: أَقْصِرْ، فَقَالَ لَهُ: خَلِّنِي وَرَبِّي، قَالَ: وَكَانَ يُعِيدُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَيَقُولُ: خَلِّنِي وَرَبِّي، حَتَّى وَجَدَهُ يَوْمًا عَلَى ذَنْبٍ، فَاسْتَعْظَمَهُ، فَقَالَ: وَيْحَكَ أَقْصِرْ قَالَ: خَلِّنِي وَرَبِّي، أَبُعِثْتَ عَلَيَّ رَقِيبًا؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ أَبَدًا، أَوْ قَالَ: لَا يُدْخِلُكَ اللَّهُ الْجَنَّةَ أَبَدًا، فَبُعِثَ إِلَيْهِمَا مَلَكٌ فَقَبَضَ أَرْوَاحَهُمَا، فَاجْتَمَعَا عِنْدَهُ جَلَّ وَعَلَا، فَقَالَ رَبُّنَا لِلْمُجْتَهِدِ: أَكُنْتَ عَالِمًا؟ أَمْ كُنْتَ قَادِرًا عَلَى مَا فِي يَدِي؟ أَمْ تَحْظُرُ رَحْمَتِي عَلَى عَبْدِي؟ اذْهَبْ إِلَى الْجَنَّةِ يُرِيدُ الْمُذْنِبَ وَقَالَ لِلْآخَرِ: اذْهَبُوا بِهِ إِلَى النَّارِ"،فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَوْبَقَتْ دُنْيَاهُ وَآخِرَتَهُ"ابن حبان [2] "
(1) - الزهد والرقائق لابن المبارك والزهد لنعيم بن حماد (1/ 314) (900) صحيح
(2) - تهذيب صحيح ابن حبان (1 - 3) علي بن نايف الشحود (2/ 495) (5712) (صحيح)
وَلَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى كُفْرِهِ، لِيَكُونَ مُخَلَّدًا فِي النَّارِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ الْمَلَكِ حَيْثُ قَالَ: إِدْخَالُهُ النَّارَ كَانَ مُجَازَاةً لَهُ عَلَى قَسَمِهِ بِأَنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ لِلْمُذْنِبِ ذَنْبَهُ، لِأَنَّهُ جَعَلَ النَّاسَ آيِسِينَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَحَكَمَ بِأَنَّ اللَّهَ غَيْرُ غَفُورٍ، وَفِيهِ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ غَيْرُ مَفْهُومٍ مِنْ كَلَامِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ بَالِغٌ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَصَدَرَ هَذَا الْكَلَامُ عَنْهُ فِي حَالِ غَضَبِهِ، وَلَوْ كَانَ لِلَّهُ لَسُومِحَ بِهِ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ مَغْرُورًا بِاجْتِهَادِهِ مُحْتَقِرًا لِلْمُذْنِبِ لِأَجْلِ الْإِصْرَارِ عَلَى ذَنْبِهِ اسْتَحَقَّ الْعُقُوبَةَ، وَلِذَا قِيلَ: مَعْصِيَةٌ أَوْرَثَتْ ذُلًّا وَاسْتِصْغَارًا خَيْرٌ مِنْ طَاعَةٍ أَوْجَبَتْ عُجْبًا وَاسْتِكْبَارًا.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ عِنْدَ قَوْلِهِ:"لَا يَا رَبِّ"أَكْذَبَ نَفْسَهُ وَحَلِفَهُ فَاسْتَحَقَّ الْعِقَابَ، فَمِنْ ثَمَّ قَالَ: اذْهَبُوا بِهِ إِلَى النَّارِ لِأَنَّهُ آيَسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالْيَأْسُ مِنْهَا كُفْرٌ لِمَنِ اسْتَحَلَّهُ كَهَذَا الرَّجُلِ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَلِفُهُ السَّابِقُ الْمُتَضَمِّنُ لِلْحُكْمِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ، وَعَلَى صَاحِبِهِ بِأَنَّهُ يَئِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ يَأْسِ الْمُجْتَهِدِ وَاسْتِحْلَالِهِ وَكُفْرِهِ، غَيْرُ صَحِيحٍ، مَعَ أَنَّهُ عَلَى سَبِيلِ التَّنْزِيلِ يَكُونُ عَلَى مُعْتَقَدِ الْمُعْتَزِلِيِّ مِنْ عَدَمِ تَجْوِيزِ غُفْرَانِ صَاحِبِ الْكَبِيرَةِ، وَعَلَيْهِ ظَوَاهِرُ كَثِيرَةٌ مِنَ الْآيَاتِ فِي الْوَعِيدِ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ بِتَكْفِيرِ الْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ. نَعَمْ فِي الْحَدِيثِ رَدٌّ بَلِيغٌ عَلَى مُعْتَقَدِهِمْ، حَيْثُ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى غَفَرَ لِلْمُذْنِبِ وَأَدْخَلَهُ جَنَّتَهُ بِرَحْمَتِهِ مِنْ غَيْرِ رُجُوعِ الْمُذْنِبِ وَتَوْبَتِهِ. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (4/ 1627)