فهرس الكتاب

الصفحة 355 من 531

حُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ فَرَجَعَ» فَقَالَ: «وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لَا يَنْجُوَ مِنْهَا أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَهَا» [1]

وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ:"إِنَّ مُوسَى قَالَ: أَيْ رَبِّ، عَبْدُكَ الْمُؤْمِنُ تُقَتَّرُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا، قَالَ: فَيُفْتَحُ لَهُ بَابُ الْجَنَّةِ، فَيَنْظُرُ إِلَيْهَا، قَالَ: يَا مُوسَى هَذَا مَا أَعْدَدْتُ لَهُ، فَقَالَ مُوسَى: أَيْ رَبِّ، وَعِزَّتِكَ وَجَلَالِكَ لَوْ كَانَ أَقْطَعَ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ، يُسْحَبُ عَلَى وَجْهِهِ مُنْذُ يَوْمَ خَلَقْتَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَكَانَ هَذَا مَصِيرَهُ، لَمْ يَرَ بُؤْسًا قَطُّ، قَالَ: ثُمَّ قَالَ مُوسَى: أَيْ رَبِّ، عَبْدُكَ الْكَافِرُ تُوَسِّعُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا، قَالَ: فَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ مِنَ"

(1) - السنن الكبرى للنسائي (4/ 431) (4684) صحيح

" «لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ قَالَ لِجِبْرِيلَ: اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا» ) أَيْ نَظَرَ اعْتِبَارٍ (فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا وَإِلَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ لِأَهْلِهَا فِيهَا) أَيْ مَاعَدَا مَا أَعَدَّ اللَّهُ لِعِبَادِهِ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ. (ثُمَّ جَاءَ) أَيْ رَجَعَ إِلَى مَوْضِعِهِ أَوْ إِلَى حَيْثُ مَا أُمِرَ بِهِ، أَوْ إِلَى تَحْتِ الْعَرْشِ (فَقَالَ: أَيْ رَبِّ) أَيْ يَا رَبِّ (وَعِزَّتِكَ لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ) أَيْ وَيُحِبُّ دُخُولَهَا. فَالْأُذُنُ تَعْشَقُ قَبْلَ الْعَيْنِ أَحْيَانًا (إِلَّا دَخَلَهَا) أَيْ طَمِعَ فِي دُخُولِهَا، وَجَاهَدَ فِي حُصُولِهَا، وَلَا يَهْتَمُّ إِلَّا بِشَأْنِهَا لِحُسْنِهَا وَبَهْجَتِهَا، (حَفَّهَا) أَيْ أَحَاطَهَا اللَّهُ (بِالْمَكَارِهِ) جَمْعُ كُرْهٍ وَهِيَ الْمَشَقَّةُ وَالشِّدَّةُ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، وَالْمُرَادُ بِهَا التَّكَالِيفُ الشَّرْعِيَّةُ الَّتِي هِيَ مَكْرُوهَةٌ عَلَى النُّفُوسِ الْإِنْسَانِيَّةِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَعَانِيَ لَهَا صُوَرٌ حِسِّيَّةٌ فِي تِلْكَ الْمَبَانِي (ثُمَّ قَالَ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا) أَيْ ثَانِيًا لِمَا تَجَدَّدَ مِنَ الزِّيَادَةِ عَلَيْهَا بِاعْتِبَارِ حَوَالَيْهَا (قَالَ) أَيِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَكْثَرِ الْأُصُولِ بِدُونِ: قَالَ: (فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا) أَيْ وَرَأَى مَا عَلَيْهَا ( «ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا أَحَدٌ» ) أَيْ لَمَّا رَأَى حَوْلَهَا مِنَ الْمَوَانِعِ الَّتِي هِيَ الْعَلَائِقُ وَالْعَوَائِقُ لِلْخَلَائِقِ. قَالَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَيْ لِوُجُودِ الْمَكَارِهِ مِنَ التَّكَالِيفِ الشَّاقَّةِ، وَمُخَالَفَةِ النَّفْسِ وَكَسْرِ الشَّهَوَاتِ. ( «قَالَ: فَلَمَّا خَلَقَ اللَّهُ النَّارَ قَالَ: يَا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا"قَالَ:"فَذَهَبَ"فَنَظَرَ إِلَيْهَا، ثُمَّ جَاءَ قَالَ: أَيْ رَبِّ! وَعِزَّتِكَ لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ فَيَدْخُلُهَا» ) أَيْ لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ إِلَّا فَزِعَ مِنْهَا وَاحْتَرَزَ فَلَا يَدْخُلُهَا، ( «فَحَفَّهَا بِالشَّهَوَاتِ، ثُمَّ قَالَ: يَا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا"قَالَ:"فَذَهَبَ» ) وَهُوَ مَوْجُودٌ هُنَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ ( «فَنَظَرَ إِلَيْهَا فَقَالَ: أَيْ رَبِّ! وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لَا يَبْقَى أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَهَا» ) أَيْ لِمَيَلَانِ النَّفْسِ إِلَى الشَّهَوَاتِ وَحُبِّ اللَّذَّاتِ، وَكَسَلِهَا عَنِ الطَّاعَاتِ وَالْعِبَادَاتِ، فَهَذَا الْحَدِيثُ تَفْسِيرٌ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ السَّابِقِ:" «حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ» ".مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (9/ 3630)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت