نعم كما قلت: الأثر هذا مروي عن ربيعة، ولعل الإمام مالك أيضا قد استخدمه في مقابل هذا الرجل الذي لمس عنده مبدأ بدعة؛ وذلك أنه سأل عن أصل الاستواء أم كيفية الاستواء ؟ عن الكيفية، قال له: { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) } (1) كيف استوى ؟ فأطرق مالك رأسه حتى علاه الرُحَضَاء، والرُّحضاء هو العرق وذلك لشدة السؤال، لماذا ؟ لعظم المسؤول عنه، والإمام مالك كما هو معلوم مهيب -رحمه الله- في دروسه، ثم رفع رأسه وأجاب بهذا الجواب الشافي الكافي.
وقوله: السؤال عن الكيفية بدعة؛ لأنه ليس له أصل في الكتاب ولا في السنة، ليس عندنا دليل في الكتاب والسنة عن كيفية هذه الصفات، ولا هو أيضا مما يمكن معرفته بالعقل، فأصبح السؤال عنه بدعة ؟ تسأل عن شيء لا يمكن معرفته.
ولما لمس فيه هذا الجانب أمر به فأخرج، يقول: فقول ربيعة ومالك: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، موافق لقول الباقين: أمِرُّوها كما جاءت بلا كيف، يعني: كأن السلف متفقون، لكن اختلفت عباراتهم.
الجميع متفق على إثبات أصل الصفة مع نفي العلم بكيفية الصفة، لكن لا يفهم من كلامهم هذا لا من قريب ولا من بعيد أنهم ينفون حقيقة الصفة، وإلا لقال الإمام مالك وقال ربيعة: الاستواء غير معلوم، لو كانوا يريدون عدم العلم بحقيقة الصفة لأجابوا فقالوا: الاستواء غير معلوم، لكنهم يقولون الاستواء غير مجهول.
وفي رواية: الاستواء معلوم، إنما المجهول هو الكيفية، وهذا هو مذهب أهل السنة يثبتون الصفة لكن يكِلُون علم الكيفية إلى الله -عز وجل، نعم.
(1) - سورة طه آية: 5.