فقد فهمت ما سألت عنه فيما تتايعت الجهمية، ومن خالفها في صفة الرب العظيم، الذي فاقت عظمته الوصف والتقدير، وكلت الأنفس عن تفسير صفته، وانحسرت العقول دون معرفة قدره، ردت عظمته العقول، فلم تجد مساغا فرجعت خاسئة، وهي حسيرة، وإنما أمروا بالنظر والتفكر فيما خلق بالتقدير، وإنما يقال: كيف لمن لم يكن ثم كان، فأما الذي لا يحول ولا يزول، ولم يزل وليس له مثل، فإنه لا يعلم كيف هو إلا هو، وكيف يعرف قدر من لم يبدأ، ومن لم يمت، ولا يبلى، وكيف يكون للصفة شيء منه حد أو منتهى، يعرفه عارف أو يحد قدره واصف، على أنه الحق المبين، لا حق أحق منه، ولا شيء أبين منه، الدليل على عجز العقول عن تحقيق صفته، عجزها عن تحقيق صفة أصغر خلقه، لا تكاد تراه صغرا يحول ويزول، ولا يرى له سمع ولا بصر، لما يتقلب به، ويحتال من عقله أعضل بك، وأخفى عليك مما ظهر من سمعه وبصره، فتبارك الله أحسن الخالقين، وخالقهم وسيد السادات وربهم، { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11) } (1) .
ــــــــــــــــــــــ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة، وأتم التسليم .
ذكر الشيخ -رحمه الله- هذا الأثر الثابت عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، المتوفى سنة مائة وأربعة وستين، وهو أحد فقهاء المدينة، بل إنه نودي بأمر الخليفة المنصور ألا يفتي بالمدينة إلا مالك وابن الماجشون -رحمه الله-، يقول: وقد سئل فيما جحدت به الجهمية، أما بعد:
(1) - سورة الشورى آية: 11.