وإنما يقال: كيف لمن لم يكن ثم كان، يسأل بكيف للشيء المخلوق، الذي كان عدما ثم وجد، ومآله إلى الفناء، يقول: فأما الذي لا يحول ولا يزول، ولم يزل وليس له مثل، فإنه لا يعلم كيف هو إلا هو؛ ولهذا قلت لكم مرارا: إن المعطل إذا سأل عن كيفية الصفة، ينبغي أن نعكس السؤال عليه، إذا قال: كيف استوى؟ نقول له: كيف الله؟ كيف هو؟ إذا قال: الله أعلم، نقول له أيضا: الله أعلم، بكيفية الاستواء، فالعلم بكيفية الصفات فرع عن العلم بكيفية الذات، فإذا جهلت كيفية الذات، فالجهل بكيفية الصفة من باب أولى .
فإنه لا يعلم كيف هو إلا هو، وكيف يعرف قدر من لم يبدأ، ومن لم يمت ولا يبلى، الله - عز وجل - ليس له بداية، فهو الأول السابق المتقدم على جميع المخلوقات، مهما افترض العقل من أزمنة مضت، فالله سابق لها، فهو الأول الذي ليس قبله شيء، كما فسر ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - في دعائه اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء .
ومن لم يمت ولا يبلى، وكيف يكون لصفة شيء منه حد أو منتهى، يعرفه عارف أو يحد قدره واصف، على أنه الحق المبين لا حق أحق منه، ولا شيء أبين منه، الدليل على عجز العقول عن تحقيق صفته، عجزها عن تحقيق صفة أصغر خلقه، لا تكاد تراه صغرا يحول ويزول، نعم. هناك من المخلوقات التي بين أيدينا، تعجز العقول عن تحديد كنهها، فإذا كان هذا المخلوق الذي بين يديك، فالخالق من باب أولى .
لما يتقلب به، ويحتال من عقله أعضل بك، أي أعضل استغلظ، ووقف الإنسان أمامه حائرا، أعضل بك، وأخفى عليك، مما ظهر من سمعه وبصره، فتبارك الله أحسن الخالقين، نعم.
الإيمان بما وصف الله - عز وجل - به نفسه